تستريح المخيلة السياسية اليمنية إلى تعليق الانكسارات التاريخية على شماعات خارجية جاهزة، مفصلة بدقة لتبرئة الذات وحمايتها من ألم المواجهة مع المرآة. في هذه المظلومية المريحة، يُقدَّم الفارق التنموي والسياسي بين اليمن وجواره بوصفه حصيلة معادلة مبسطة: ثروة نفطية هبطت هناك، ومؤامرة جيوسياسية متصلة حُبكت بليل هنا، تتغذى—بحسب السردية الشائعة—من "خوف إستراتيجي" لدى الجار الإقليمي، ولا سيما السعودية، من ظهور يمن قوي يزاحمه تنمويًا أو يهدده تاريخيًا. غير أن السكون إلى هذا المنطق لا يكتفي بإغفال تعقيدات مسارات بناء الدولة، بل يمارس تخديرًا ذاتيًا يعفي الفاعل المحلي من مسؤوليته التأسيسية عن الفشل؛ فمنطق الجيو-اقتصاد المعاصر يرى في الدولة الجارة المستقرة شريكًا تنمويًا وضمانة لأمن الحدود، بينما يشكل اليمن المفكك مصنعًا عابرًا للمخاطر.
أمّا استدعاء المرويات التاريخية الغابرة—كمخاوف استعادة حملات التاريخ البعيد—فليس سوى إسقاط يتوسل الأسطورة للهروب من قواعد العصر، حيث تُقاس القوة والهيبة بمؤشرات التكنولوجيا والإنتاج والمؤسسات، لا بأساطير العقد القديمة.
إن نظرة فاحصة إلى عقود التحول في المنطقة تكشف أن النفط لم يكن وحده صانع التمايز، كما أن شح الموارد لم يكن العلة الوحيدة؛ فالثروة بلا مؤسسة تُهدر في الريع والصراع، والفقر مع وجود الرؤية يمكن أن يستحيل محركاً للنهوض. الفارق الحقيقي يتجلى في خيار بناء "الدولة الحديّة" المنظمة في الخليج، مقابل تعميم "اللا-دولة" وإدارة الأزمات بالتجزئة في اليمن. لقد أدركت النخب الخليجية، رغم التفاوت، أهمية احتكار أدوات القوة، وإرساء الأمان الاستثماري، واستبدال الفوضى التشريعية بالأطر المنظمة، بينما انشغلت النخب اليمنية المتعاقبة بالصراع على كعكة سلطة هشّة، وتوظيف التناقضات القبلية والمناطقية والأيديولوجية لإطالة أمد بقائها.
وليس أدل على أزمة النموذج السياسي والمؤسسي في اليمن من التفاوت الذي وسم تاريخه الإداري الحديث، وهو التفاوت الذي يدفعه البعض مقاطعةً بين تجربة جنوبية طعمت الإدارة وسيادة القانون، وتجربة شمالية ظلت مكبلة بمصانعة القبيلة وتفريغ المؤسسة. غير أن القراءة المنصفة تفكك هذا التباين بوصفه نتاج خيارات السياسة وبنية السلطة لا طبائع البشر؛ فالجنوب لم يخطُ نحو المدنية بفضل جغرافيا استثنائية، بل نتيجة خضوعه لمسار تشكّلت فيه بيروقراطية رسمية حاصرت الفوضى القبلية وأخضعت المجتمع لإطار الدولة، بينما عطلت سلطات الشمال مشروع التحديث عبر استبدال بناء المؤسسات بتحالفات مراكز النفوذ والزبائنية.
وتكمن المأساة الكبرى في أن مشروع الدولة الوطنية بعد الوحدة لم يسعَ للتكامل واستلهام الانضباط الإداري، بل استمرأ إخضاع الجميع للنموذج الأضعف، وتعميم ممارسات "اللا-دولة"، ليخسر الجميع فرصة التأسيس لنهضة جامعة تعلو فوق الحسابات الفرعية.
وليس المقصود من هذا التشخيص توزيع الأدوار بين ضحية وجلاد، بل كشف البنية الذهنية التي أنتجت هذا المسار. فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص الموارد أو قسوة الجغرافيا بقدر ما كانت في غياب مشروع وطني جامع حقيقي، وفي استمرار نخب تختار البقاء على حساب البناء. وهذه البنية، ما لم تُفكك بوعي نقدي، ستظل تُعيد إنتاج الفشل ذاته تحت أي راية أو تحالف.
هنا تكمن المغالطة الكبرى: افتراض أن اليمني ضحية مجردة من الإرادة ومبرأة من الإثم الحضاري والسياسي، وأن القوى الإقليمية هي صانعة القدر المأساوي بمفردها. تحييد العامل الذاتي هو أول أشكال الزيف العلمي؛ فالجهات اليمنية الفاعلة هي التي استدعت الخارج، واستقوت به، وتكسبت من أدواته، وفرطت في القرار الوطني لصالح الاستقطابات الإقليمية. لا يمكن لبلد أن ينال نصيبه من العمران وهو يستنسخ حروبه الداخلية كل عقد، ويحيل التداول السلمي للسلطة إلى مناورات بقاء، ويتعامل مع المؤسسة الرسمية بوصفها غنيمة مؤقتة، ثم يشتكي بعد ذلك من قسوة الجغرافيا أو شماتة الجار.
إن المصارحة بالواقع المؤلم ليست جلد للذات، بل هي شرط أول وممر إجباري لأي عقلانية سياسية تسعى للتغيير. الكف عن رمي التهم على الآخرين هو الخطوة الأولى لتفكيك بنية التخلف وتجاوز حالة الانكسار، إذ إن الخروج من النفق يستوجب نسف عقيدة المظلومية التلقائية، وإعادة الاعتبار للمسؤولية الوطنية الشاملة. فالخليج لم يتقدم لأن السماء خصّته بالحلول الجاهزة، بل لأنه غلّب خيار الاستقرار الداخلي وحجم الصراعات لصالح تنمية الإنسان والعمران، بينما أضاع اليمن عقودًا ثرية بالفرص في مناكفات النخب ومغامرات السلاح.









