من الجنوب إلى الإمارات.. مصر بوابة هادي لـ«ترميم العلاقات»

معاذ منصر*

مصر على علاقة بالمكونات الجنوبية وقد تلعب دورا لتهدئة التصعيد ضد هادي

أعادت زيارة الرئيس هادي إلى مصر تساؤلات واستفسارات عدة إلى الأذهان، بشأن دور القاهرة بالحرب في اليمن، سياسياً وعسكرياً ولوجستياً.

الزيارة ومن ثم المغادرة المفاجئة للرئيس هادي حملت أكثر من تكهُّن وأكثر من تحليل. فبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن «الزيارة كانت تحمل أكثر من هدف وأكثر من ملف، وأبرز تلك الملفات هو العلاقة بين الشرعية والتحالف العربي»، مشيرة إلى أن «هادي أراد من مصر أن تلعب دوراً وسيطاً بينه وبين أبوظبي، لحل الخلافات بناءً على التقارب الذي حدث بينهما أخيراً، ولكنه لم يستمر طويلاً».

وأوضحت المصادر أن الرئيس هادي «طرح على الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وجهات نظر وشروطا ونقاطا تتعلق بمسألة الحرب، وشكلها النهائي، ووجهات نظر كل من السعودية والإمارات». وطبقاً للمصادر ذاتها، فإن «زيارة عبد الفتاح السيسي إلى ميون، نقلت ما لم يستطع هادي نقله بنفسه مباشرة إلى السعوديين».

وبحسب المصادر، فإن «عبد الفتاح السيسي كان وسيطاً بهذا الشأن، وقد تثمر جهوده وقد لا تثمر. لأن القاهرة لا تلتقي مع الرياض بالعمق إطلاقاً بشأن اليمن».
ولأن علاقة مصر جيدة مع الكثير من الأطراف في اليمن، فقد رأى هادي أهمية في زيارة القاهرة بهدف «تحسين وضعه أولاً مع أطراف في التحالف، وأطراف يمنية تتواجد في مصر ثانياً».

يذكر أن دور مصر في اليمن منذ بداية عملية «عاصفة الحزم» يشوبه الغموض. ظلت مشاركة القاهرة غير معروفة في ظل عدم تردد اسمها بشكل مكثف ضمن بيانات «التحالف». وما يقال هو إن ثمة مشاركة مصرية في الحرب اليمنية، قد تتمثل في تأمين بحري لمضيق باب المندب.

وشهدت مشاركة مصر في الحرب، أكثر من ثلاث مرات قرارات تمديد. والملفت أنه مع كل قرار تمديد للمشاركة العسكرية المصرية (غير المعروفة تفاصيلها وكيفيتها) تظهر إلى العلن قرارات اقتصادية وتمويلات واستثمارات تُعلن السعودية عن تقديمها لمصر، ما يعني أن السعودية مستمرة في شراء الولاءات في إطار إبقاء بعض الأطراف في «التحالف» لا أكثر.

مصر وعلاقتها بالجنوب
تقول المصادر السياسية المطلعة، والمتواجدة في القاهرة، في حديث إلى «العربي» إن «مصر مهمة بالنسبة للقضية الجنوبية، وباعوم من أهم أصدقاء مصر، وكذلك الانتقالي له علاقات مع مصر، ومن الممكن أن تلعب مصر في تهدئة التصعيد ضد هادي وحكومته، ووضع حدّ للتظاهرات الأخيرة التي بدأت تأخذ مساراً أكثر تصعيداً، والذي إزائه استشعر هادي بالخطر أكثر من أي وقت مضى».

وأضافت المصادر أن «مصر حاضرة بشكل هادئ بين كل النخب اليمنية، مع أنصار الله والمؤتمر والاشتراكي والناصري.. لذا، وجودها في أي تسوية مهم، أهم من السعودية. ومصر لا يختلف عليها اثنان، أما السعودية، فاليمنيون تقريباً كلهم ضدها ومنزعجون من دورها سواء في الحرب أو السياسة».

وتابعت: «في المقابل، مصر لها قبول لدى الجميع، ورأيها أهم في الفترة الراهنة.. فهي- إلى جانب سلطنة عُمان- تعملان على تكريس هذه السياسة شبه الحيادية. ولهذا لدى القاهرة قبول في صعدة وصنعاء وأبو ظبي والرياض وموسكو وواشنطن، واليمن يهمها كسيناء... وأكثر».

وبحسب المعلومات الواردة من القاهرة، فإن «ملف المؤتمر الشعبي العام، كان أحد الملفات التي أراد هادي تحقيق اختراق فيه، وكان من المتوقع أن يعقد الرئيس هادي لقاءً بقيادات المؤتمر الشعبي العام هناك، كما كان من المتوقع أن يتم انتخاب هادي رئيساً لحزب لمؤتمر، ولكن قيادات في الحزب- المحسوبة على أبو ظبي- عملت على إفشال الاجتماع، وغادر هادي من دون أن يتم ذلك.

مكتب هادي ينفي
لكن مصادر في مكتب الرئيس هادي، وفي حديث إلى «العربي»، نفت «كل ما تردد بهذا الشأن، وقالت إن زيارة هادي إلى مصر زيارة شكر على ما تقدمه لليمنيين، ولا وساطات ولا طلبات سوى تحسين أوضاع اليمنيين في مصر».
وأضافت المصادر، أنه «لم يكن هناك أي لقاء مع المؤتمر، وكل ما تردد غير صحيح، وأما بشأن حسم مصير المؤتمر وترشيح هادي رئيساً للحزب، فهذه مسألة خاضعة للحوار والتوافق داخل المؤتمر الشعبي العام، ولن تتم إلا بموجب اللوائح والتوافق لتوحيد الحزب».

وبشأن زيارة الرئيس المصري إلى السعودية، قالت المصادر الرئاسية لـ «العربي» إنها «ليست لها علاقة، وأن علاقة هادي ممتازة وجيدة مع السعودية، وعادة مثل هذه الزيارات تأخذ لها الترتيبات والتنسيقات أسابيع قبل القيام بها».
وبشأن مغادرة هادي المفاجئة للقاهرة، قالت المصادر الرئاسية إن «الرئيس هادي فعلاً كان من المقرر أن تنتهي زيارته الخميس، ولكن تعبه المفاجئ استدعى اختصارها إلى الأربعاء، وأصر عليه الأشقاء العودة إلى الرياض، لإجراء الفحوصات، وبالفعل قضى يوم الخميس في المستشفى، وخرج منه الجمعة، وصحته جيدة، وربما يعود إلى عدن لقضاء العيد هناك».

وبالعودة إلى الحديث عن علاقة مصر بالأطراف اليمنية، وفي الوقت الذي تتحدث المصادر والمعطيات عن علاقات جيدة بين مصر وكل الأطياف اليمنية، تبدو «الشرعية» أقل الأطراف في العلاقة الجيدة مع مصر، حيث لم يكن في استقبال الرئيس هادي في مطار القاهرة، سوى وزير التعليم العالي، فلا الرئيس ولا رئيس الوزراء أيضاً كانا في استقباله، ما شد انتباه الكثيرين، وطرح تساؤلات عدة.

مصادر سياسية يمنية في القاهرة، أرجعت عدم استقبال الرئيس هادي بالشكل البروتوكولي المتعارف عليه، بأنه «ربما يكون له سبب مرتبط بالعلاقة المتوترة بين الحكومة اليمنية والإمارات، وربما يكون هناك استياء مصري من اليمن، بشأن قضية ما، وهذا الأمر لا نستوعبه نحن خصوصاً وأنه ليس هناك توتر بين الحكومتين المصرية واليمنية، وربما تكون هناك أسباب أخرى، والأمر بالطبع يبدو غريباً وملفتاً، ولكن من الصعب الحكم عليه بشكل مطلق».

أهمية باب المندب لمصر
تقول المصادر المطلعة في القاهرة إن «التحالف يعرف العلاقة الجيدة بين مصر واليمن، ويعرف أن المصريين أكثر قرباً إلى اليمنيين منهم، لذا يتعامل التحالف بحذر مع القاهرة في الملف اليمني. وعلى الرغم من أنه لا يرغب وجهة نظرها، لكن حتماً سيعود إليها».

وأضافت المصادر أن «مصر تريد أن يكون اليمن حليفا قويا في البوابة الجنوبية البحرية، لأنها ترى اليمن قاعدة متقدمة لها في مقابل شرق أفريقيا»، مشيرةً إلى أن «التحالف لم يستطع أن يقيم أي تواجد حقيقي له سوى شراء ولاء نخب اليمن فقط».
ويذهب مراقبون إلى القول إن «اليمن تشكل خاصرة رخوة لمصر، ويعتبر باب المندب من الأمن الاستراتيجي لمصر، كدولة وجيش، وليست كقيادة حالية»، لذلك مصر «لم تذهب كثيراً في الحرب ضد اليمن، سوى أنها تواجدت عسكرياً نوعاً ما بحرياً، لأنها لا تريد تكرار تجربة الستينات».

وأضاف أن «ما يعني القاهرة في هذه الحرب، هو انتشار قواتها البحرية في أهم مضيق في الملاحة البحرية أولاً، وامتداداً جيوسياسياً اقتصادياً ثانياً، إذ أن التبادل التجاري والثقافي والعسكري بين البلدين، أقوى من أي علاقات أخرى لمصر مع أي دولة خليجية».

وتلفت المصادر السياسية في القاهرة إلى أن «مصر كانت متهمة بأنها تهرب السلاح إلى الجيش في اليمن، وكذلك العلاج والنفط»، مشيرة إلى أن «مصر غير قادرة على المجاهرة بموقفها ضد صنعاء، لذا تلتزم عدم التصعيد الإعلامي والعسكري، وترفض التدخل البري».
* عن (العربي)​