هجمات الجنوب.. لماذا الآن وماذا بعد؟

أحمد عليبة

 تتلاقى الأهداف والدوافع التي تقف وراء التفجيرات الدامية التي وقعت جنوبي اليمن في عدن وأبين مطلع الشهر الجاري؛ إذ لا يمكن استبعاد عامل المصلحة المشتركة بين القوى والتنظيمات المتطرفة (الحوثيين، داعش، القاعدة)، سواء تمت بالتنسيق بين بعض الأطراف، أو استغلها البعض الآخر كما هو مرجّح لدى الكثير من المراقبين، أو وقعت بالتزامن مصادفة أو حتى نتيجة التنافس فيما بينها. لكنّ مشهد رد الفعل الجنوبي في اليوم التالي مع طرد أبناء المحافظات الشمالية خارج الجنوب بعد توقيفهم، ووضعهم في شاحنات؛ يُعيد مرة أخرى إلى الواجهة الملفات المصيرية في الأزمة اليمنية، ولا سيما ملف الوحدة والعلاقة بين الشمال والجنوب، وملف الشرعية.

لماذا الآن؟
من حيث التوقيت، جاءت التفجيرات في أعقاب الحديث عن إعادة هيكلة التواجد العسكري الإماراتي في اليمن، ما يرجح أن الأطراف التي قامت بالعمليات الإرهابية سعت إلى شن تلك الهجمات لتحقيق أهداف محددة، منها:
1 - اختبار حالة إعادة الانتشار أو الانسحاب العسكري الإماراتي من الجنوب حاليًّا، فمنذ طرد الحوثيين من الجنوب في عام 2015 لدى إطلاق التحالف عملية "السهم الذهبي" لم تشن الميليشيا هجمات على عدن. بالإضافة إلى أن الميليشيا تبعث برسالة استباقية مفادها أنها ستعود إلى تهديد الجنوب مرة أخرى في حال إحلال التواجد الإماراتي بآخر سعودي. وما يشير إلى ذلك أن الخطاب الرسمي الحوثي في أعقاب العملية استخدم مصطلح "مرتزقة العدوان"، وهو المصطلح الذي تروج له الميليشيا الحوثية في التعامل مع قوات الجيش الوطني المدعومة من التحالف. ومن ثم، تؤكد الميليشيا أنها لن تفرق بين الأحزمة الأمنية والجيش الوطني، وتعتبر كلًّا منهما هدفًا لها طالما يحظى بدعم من التحالف. أيضًا يشكك الخطاب الرسمي الحوثي في رغبة الإمارات في الانسحاب من الجنوب، أو إعادة هيكلة تواجدها؛ ففي خطاب لزعيم الميليشيا "عبدالملك الحوثي"، يوم الأحد 4 أغسطس، قال: "نحن نأمل أن تَصْدُقَ الإمارات في إعلانها الانسحاب، وإن كانت حاولت أن تغير حتى العنوان إلى عنوان إعادة الانتشار، إلَّا أنَّ نصيحتي للإمارات هي أن تَصْدُقَ".

2 - أن المواقع التي تم استهدافها هي مواقع ذات طبيعة أمنية (معسكر الجلاء في عدن، مركز شرطة في الشيخ عثمان، معسكر المحفد في أبين)، وهو ما يؤكد أن المستهدف هو القوات الأمنية في الجنوب، وبالتالي المستهدف هو الأمن، ومحاولة التأكيد على أن الوضع الأمني في عدن هش، وليس بالقوة التي يمكنها القيادة والسيطرة في الجنوب، ما يسهل إشاعة الفوضى لتنفيذ أجندات الأطراف التي قامت بتلك الهجمات الإرهابية.

3 - التنسيق المشترك: لا يشترط عامل التنسيق، حتى وإن كان بعض المراقبين اليمنيين يرون أن الحادث الأول الذي استهدف مركز الشرطة كان يهدف إلى التغطية على حادث البريقة (معسكر الجلاء) لتشتيت الانتباه. بينما الأرجح هو أن الوضع الأمني في عدن أغرى تلك الأطراف بالتكالب على عدن، وأن تلك القوى كانت في وضع جاهزية للقيام بعمليات على الساحة. كما أن هناك العديد من المؤشرات التي تدل على توظيف الأدوار وليس تنسيقها؛ فالميليشيا الحوثية تبنت عملية معسكر الجلاء (الخميس، الأول من أغسطس)، لكن المتحدث العسكري باسمها أجّل التفاصيل لليوم التالي (الجمعة)، حيث أكد استهداف معسكر الجلاء فقط، بينما كانت وسائل إعلام تابعة للميليشيا -نقلًا عن مصادر قيادية- تبنت تفجير قسم الشرطة أيضًا، لكنها سرعان ما تراجعت، خاصة أنه تم عبر عملية انتحارية، وهي ليست من نمط العمليات التي تقوم بها الميليشيا. كما أنها انتظرت على ما يبدو حتى قام تنظيم "داعش" بتبني العملية، وكذلك العملية الثانية التي قام بها "داعش" الجمعة، والتي استهدفت الجندي "مفيد المحبشي" في الشيخ عثمان، بدعوى أن "المحبشي" يعمل محققًا في سجن المنصورة بعدن، حيث يعتقل العديد من عناصر التنظيم.

4 - من المتصور أن الميليشيا الحوثية لا تستهدف إعادة التموضع في الجنوب، ولا يعتقد أن بإمكانها ذلك في المرحلة الحالية أو حتى في المستقبل. وفي الماضي لم يكن الجنوب ضمن الدولة الإمامية، حيث يلعب العامل التاريخي دورًا في هذا السياق. بينما في حال تخطيط الميليشيا للعودة إلى التعامل مع الجنوب كجبهة جديدة مرة أخرى فإنها ستعتمد على أدوات التهديد الشائعة الاستخدام لديها كالدرونز والصواريخ، لكن سيبقى استخدامها رهنًا بتطورات معينة، منها: طبيعة الإسناد، والدعم العسكري للجنوب من التحالف، وحينما تكون هناك حاجة إلى دفع الجنوب إلى اتخاذ موقف سياسي معين، خاصة أن الطرفين ربما على مسار واحد رغم التباينات، فكلٌّ منهما يريد العودة إلى ما قبل الوحدة، وتقويض صيغة الأقاليم الستة التي أنتجها الحوار الوطني، لكنهما يدركان أن الدفع إلى تلك الخطوة سيُفرض بحكم الأمر الواقع وليس عبر آليات سياسية.

بالنسبة لداعش والقاعدة، هناك سباق وتنافس على الساحة اليمنية، وبالتالي تسعى هذه التنظيمات إلى إعادة تموضعها في الجنوب مرة أخرى على النمط السابق لحرب 2015. فعلى الرغم من أن حضور داعش يبقى ضعيفًا في اليمن، وهي الساحة الأقل بين ساحات العمليات التي يقوم بها؛ إلا أنه يوظف تلك الأحداث في إعادة الظهور مجددًا هناك، خاصة أنه يعتبر أن مكون الأحزمة الأمنية في الجنوب هو مكون سلفي معادٍ. أما بالنسبة للقاعدة فإن عودة ظهورها في أبين لا يُعد مفاجأة أيضًا في السياق ذاته، وكلا التنظيمين هزم في جولات المعارك السابقة مع الأحزمة الأمنية، فضلًا عن التنافس بين التنظيمين، فمن المرجح أن القاعدة تحركت في محاولة للاستيلاء على معسكر "المحفد" يوم الجمعة، أي بعد يوم من إعلان داعش شن الهجوم على مركز الشرطة في الشيخ عثمان بعدن.

ماذا بعد؟
هناك عدة سيناريوهات متوقعة في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة التي شهدها الجنوب في اليمن ستقود إلى تحول استراتيجي في المشهد اليمني. إذ لا شك أن التطورات الآنية ستدفع إلى انهيار ما تبقى من مظاهر الوحدة اليمنية. فواقعيًّا، هناك انفصال ميداني ينقصه الاعتراف الرسمي وما يترتب عليه من مظاهر وتبعات. ولا شك أيضًا أن أحد الأهداف هو مزيد من جهود الأطراف على الجانبين في إضعاف الشرعية. وفي هذا الإطار، أشارت بعض التقارير إلى عودة التوتر بين قوات الأمن الرئاسي في عدن وقوات الحزام الأمني، فالأولى تعتبر أن تهجير أبناء الشمال يهدد الوحدة التي يجب أن تبقى، بينما الأحزمة الأمنية ترى أن وجود الشرعية في الجنوب ولو مؤقتًا يشكل عبئًا عليها بالنظر إلى مشروعها، وهو ما كشفت عنه بوضوح تغريدة لـ "هاني بن بريك" (نائب رئيس المجلس الانتقالي في الجنوب) بقوله: "الحل العادل للسلام قيام الدولتين، ويتشارك الجنوبيون في إقامة دولتهم الجديدة، وتؤمن الحدود بين البلدين على حدود ما قبل مايو 1990، وتؤمن الحدود مع دول الجوار، وتُحفظ مصالح الجميع، وتُحقن الدماء، الحكومة الشرعية باتت وبالًا ماحقًا على الجنوب والشمال".

في ضوء ذلك، من المتصور أن ملامح المرحلة القادمة ستكون على النحو التالي:
1 - التصعيد: قد لا يشهد الجنوب حربًا على النحو الذي شهده في عام 2015، لكن من المتوقع أنه سيشهد توترًا أمنيًّا متعدد الأطراف والجبهات بهدف رسم المعادلة السياسية لليمن ككل، والتي سيحاول فيها كل طرف أن يدلي بدلوه لدفع الآخرين إلى المسار الذي يريده. وفي ضوء ذلك تتشكل موازين القوى التي ستحدد ملامح المستقبل في إطار توازنات جديدة يعتقد أن الحكومة الشرعية ستكون هي الحلقة الأضعف فيها. وبرغم وجود طرف معتدٍ وآخر مُعتَدًى عليه؛ إلا أن كل الأطراف توظف الاعتداء لصالحها في مسار واحد هو تشطير البلاد.

2 - التفكك: باعتباره أحد المظاهر الطبيعية للتصعيد، فقد يكون العودة إلى مسار ما قبل الوحدة سيناريو محتملًا بدرجة أكثر من أي وقت مضى في عمر الأزمة اليمنية، لكنه يظل رهن متطلبات وتحديات عديدة، في حين يفرض تدريجيًّا سيناريو التفكك الذي تغطي مظاهره على مظاهر التماسك.
3 - العسكرة: لا شك أن أحد أهداف الميليشيا الحوثية في الهجوم هو دفع قوات الحزام الأمني إلى سحب ما تبقى من قواتها التي كانت تشارك في عمليات الساحل الغربي. ومن المتوقع أن يتجه الجنوب إلى تعزيز وضعه العسكري لمواجهة التحديات الأمنية التي يواجهها، ومن المتصور أن العسكرة على الجانبين لن تتوقف على المواجهة بينهما؛ وإنما سيسعى كل طرف إلى تأكيد السيطرة على الإقليم الذي يهدف إلى السيطرة عليه. ومن ثم، ستستمر معارك الشمال، في حين قد تظهر في الجنوب معارك فرعية بهدف سيطرة قوة واحدة عليه.

خلاصة القول، المشهد اليمني بصدد إعادة هيكلة بشكل عام، ولا سيما في ظل عودة الجنوب مرة أخرى إلى بؤرة الأزمات، لكن الأخطر من بين تلك التطورات هو انعكاس مسار الصراع الجديد على الشرعية، خاصة في البعد المتعلق بكونها رمزًا لوحدة الدولة. كما لا يعتقد أننا إزاء المشهد الأخير في الأزمة اليمنية، بل لا يزال من المنتظر فصول أخرى ستحكمها تفاعلات وتطورات جديدة.
"المركز المصري للدراسات"​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى