عن الإرهاصات الأولى للحراك الجنوبي

حافظ الشجيفي

حافظ الشجيفي
حافظ الشجيفي
قامت الوحدة اليمنية بين الجنوب والشمال على نحو أثبتت الأيام معه أنه لم يكن ضمن الحسابات السياسية للطرفين بعد أن ظلت حلماً يراود الأجيال المتعاقبة من أبناء الشعبين خلال تاريخهم التشطيري الممتد ما بين مرحلة استقلال الجنوب من الاستعمار البريطاني وقيام النظام الجمهوري على أعقاب سقوط نظام الحكم الإمامي في الشمال في ستينات القرن الماضي حتى اليوم الذي ارتفع فيه علمها في عدن في 22 مايو 1990م، حيث توّج علي عبد الله صالح، الذي كان على رأس النظام الحاكم في دولة الشمال وممثله، رئيساً لدولة الوحدة الوليدة ونائبه فيها علي سالم البيض، الذي كان يشغل منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني حاكم الجنوب وممثله آنذاك..

ولم يمضِ عليها غير وقت قصير قبل أن تتحول الشراكة بين الطرفين إلى خلافات عميقة ظلت تنخر وتتفاقم شيئاً فشيئاً مع مرور الأيام في الكيان الواحد لها حتى اشتعل فتيل الحرب بينهما في صيف 94م، بعد أن انضم حزب الإصلاح الإخواني إلى السلطة وتحالف مع المؤتمر الشعبي العام لمواجهة وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني وقادته على غرار النتائج المزورة التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية التي جرت في نهاية المرحلة الانتقالية المحددة للاندماج الكامل بين مؤسسات الدولتين عام 93م، فشنوا حربهم الشعواء عليه باعتباره حزبا شيوعيا كافرا وملحدا، وفقاً لفتاوى دينية أصدروها بحقه وبحق شعب الجنوب.

الأمر الذي دعا قادة الجنوب إلى إعلان الانفصال من طرف واحد وإعادة جمهورية اليمن الديمقراطية في 21 مايو 1994م، كنتيجة للحرب وليس كسبب لها، غير أنها انتهت بانتصار القوى الموالية لنظام صنعاء لتتحول الوحدة الطوعية التي جمعت الطرفين من خلال اتفاقية الوحدة التي تم التوقيع عليها في الـ 30 من نوفمبر 1989م إلى احتلال عسكري بكل أركانه وشروطه للجنوب.

فبدأ التذمر من الأوضاع التي لحقت بالجنوب والجنوبيين يسود ويتفاقم بين الناس بفعل السياسات الإقصائية والتهميش التي اتبعها المنتصرون في تعاطيهم مع الجنوبيين بعد الحرب وما تعرضوا له قبلها من إجراءات التسريح والفصل والتقاعد القسري التي طالت الآلاف منهم في السلك المدني والعسكري من الوظائف التي كانوا يشغلونها فضلاً عن عمليات النهب الممنهجة التي شملت كل شيء، وبالذات الأراضي والثروات والمنشآت الحكومية والحزبية الجنوبية على نحو شاع معه الفقر وانتشرت البطالة واستشرى الفساد في كل أنحاء البلاد بشكل غير مسبوق في مختلف قطاعات الدولة وأجهزتها الحكومية على حساب الجنوبيين أرضاً وشعباً بوجه خاص.

وأمام هذا الوضع القاسي لم يكن أمام الجنوبيين بعد أن يئسوا من كل أمل راودهم في الإصلاح إلا أن يعبروا عن سخطهم الشديد عن ذلك من خلال أول مظاهرة احتجاج دعا إليها بعض القادة العسكريين المسرحين من مناصبهم ووظائفهم، ونفذوها في ذكرى سقوط عدن في 2007/ 7 / 7 في مدينة عدن للمطالبة بحقوقهم ومستحقاتهم الوظيفية، إلا أن النظام تجاهلهم تماماً واستمر في تهميشهم وتماديه عليهم فأخذت ومع مرور الوقت هذه المطالب ترتفع تدريجياً حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم والتحق بها العديد من الجنوبيين الذين باتوا يطالبون بعودة الدولة المستقلة للجنوب في مظاهرات سلمية استمرت سنوات سقط خلالها العديد من الشهداء والجرحى وكثير من المعتقلين والمشردين.

فيما ظل تدمير الحراك الجنوبي خلال السنوات اللاحقة هو الهدف المنهجي الرئيسي إن لم يكن الإستراتيجي الوحيد، بالنسبة لقوى الاحتلال الظلامية، التي سعت بكل ما أوتيت من قوة لتحقيقه، ومضت في تنفيذه بكل الأسلحة والإمكانيات العسكرية والمادية والمعنوية والإعلامية والدينية الهائلة، التي حشدتها وأمعنت في تسخيرها لهذا الغرض منذ ذلك الوقت دون توقف، بالتزامن مع نجاحات تكتيكية خطيرة أحرزتها عن طريق مخطط آخر كان يجري تنفيذه في نفس الوقت على الجبهة السياسية والوطنية لإثارة زوابع الشقاق والانقسام الداخلي في صفوف الحراك وشق العصا بين قياداته وبين قواعده وهيئاته الثورية العليا والدنيا من جهة، وإثارة الفتن والنعرات المناطقية والثورية في أوساط الشعب الجنوبي بكل أطيافه الاجتماعية السياسية والمدنية من جهة ثانية، ناهيك عن ضحايا الاغتيالات والتصفيات الجسدية الغادرة التي طالت كوادره وعدداً غير قليل من رموزه، وأهم القادة فيه والاعتداءات والملاحقات والتهديدات الأمنية والقبلية الهمجية التي تعرض لها بالإضافة إلى عمليات النهب والسطو المسلح التي استحوذت على ممتلكات الشعب في الجنوب وأصوله ومكتسباته وحقوقه المادية والعينية والفكرية والإعلامية والسياسية الثابتة والمنقولة، خلال نفس الفترة، هذا إذا لم نتطرق بالذكر فيما ذكرناه هنا إلى أولئك المخلصين من قادة الحراك ورموزه التاريخيين، الذين أصبحوا بين عشية وضحاها مشردين بلا وطن في ديار المنافي، ومجرمين مطلوبين أمنياً بعد أن صدرت بحقهم أحكام قضائية جائرة تدينهم بالانفصال والتآمر على الوحدة.

ولئن كان ما أوردناه في هذا العرض لا يمثل في معناه ومبناه إلا أدنى صيغة يمكن أن تستوعبها قوالب اللغة وتحتويها سعة البيان في أساليب الاختصار وفنون الإيجاز للتعبير وبصورة عامة عن طبيعة الظروف والمآسي التنظيمية التي واجهتها قوى الحراك وحده منذ إعلانه وحجم التحديات والصعوبات والمعوقات السياسية والوطنية التي اعترضت سبيله وخطورة المؤامرات والدسائس التي استهدفت التخلص منه والقضاء عليه، وأسوار العزلة المحكمة وحواجز الحضر المنيعة التي فرضت حوله من جميع الجهات داخل أقبية الحصار والتهميش المظلمة التي عاش فيها قسراً خلال نفس الفترة، إلا أن الإيجاز، وإن كان لا يكفينا، فهو في كثير من الأحيان والمواقف يغنينا عن التفصيل والإسهاب من حيث لا يضر بالمعنى المقصود عندما نستشهد به كمَثَل أو نستخدمه كمعيار للتقدير والاستدلال وقياس الحقيقة أو الاقتراب منها، ويعفينا جميعاً، نحن وأنتم، في الوقت نفسه من مشقة الإسهاب وتبعات الخوض في التفاصيل وتكاليفه.

ذلك هو ما تعرض له الحراك الجنوبي فعلاً خلال كل هذه السنوات، ولعل في الواقع ولعل في الواقع المشهود الذي مازلنا نواجهه حتى هذه اللحظة رغم كل المتغيرات ما يعبر عن تلك الحقيقة بكل بلاغة ووضوح، وما كان لقائل من الجنوب أن يقول، والحال كذلك، بأن الحزب قد خذله.. لأن الحزب الاشتراكي اليمني لم يتخلَ عن واجبه الوطني ومسؤولياته التاريخية تجاه الجنوب منذ اللحظة الأولى التي شعر فيها بالخطر الذي مثلته تلك العصابة التي تحالفت ضده بقصد القضاء عليه والتخلص منه، تمهيداً لإحكام سيطرتها على الجنوب وليتسنى أمامها المجال بعد ذلك للعبث بثرواته وخيراته ومصادرة حقوقه ومكتسباته، فكان أن تعرض هو للخذلان عندما وقف في ميدان المواجهة لخوض معركة الدفاع عن الجنوب وحيداً أمام عصابة الفيد والعدوان التي تظاهرت في حربها عليه مستعينة بالجنوبيين قبل الشماليين للنيل منه حتى تحقق لهم ذلك، بينما وقف الجميع منه في موقف المتفرج وهو يلاحق ويشرد وتصادر ممتلكاته.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى