لماذا تستمر أزمة الانقطاعات المتكررة للمياه في عدن؟

مسؤول في تشغيل الشبكة: خروقات في عمل الشبكة الرئيسية أنتجت ضعفا في ضخ المياه

لا يزال المواطنون يعانون من الانقطاعات المتكررة للمياه في عدن، بالرغم من إعادة التأهيل، إلا أن مشكلة انقطاع المياه مستمرة، ومازال المواطنون مستمرين في جلب المياه من أماكن أخرى وبعيدة.
وعلى امتداد ربع قرن وأهالي عدن يعانون من مشكلة المياه.. ولا نبالغ إذا قلنا إن كثيراً قضوا ربع أعمارهم وهم ينتظرون وصول المياه إلى منازلهم. معاناتهم بدأت قبل ظهور مضخات "شفط المياه" وحتى بعد ظهورها ظلت المعاناة مستمرة في ضعف ضخ المياه، ومثال على ذلك ما تعانيه مديرية المعلا، وهي واحدة من أقدم المناطق في عدن، فهي تعاني من أزمة مياه حادة، حيث ظهرت معاناتها بداية في مناطقها المرتفعة، وفي يومنا هذا لا تخلو بيوتها (الأرضية) من وجود مضخات الشفط المتعارف عليها باسم "الدينما".

مسلسل المعاناة مستمر.. وكان وصول المياه في آخر الليل ثم آخر الفجر وأحياناً صباح اليوم الثاني، ثم انقطاعها ليوم كامل، ثم انقطاعها ليومين كاملين ليتم ضخها في اليوم الثالث، وحينها لا يأتي إلا في آخر الليل. وطبعاً لا يمكن أن يصعد إلا بمضخة "دينما". وتزداد الصعوبة في ضخ المياه عند انطفاء الكهرباء مما يضطر الأهالي للسهر لساعات إضافية إلى حين تعود الكهرباء مرة أخرى ليتمكنوا من تشغيل مضخة شفط المياه، ولهذا تلجأ بعض الأسر إلى شراء مولد "ماطور" "حجم صغير" يخصصون استخدامه لتشغيل مضخة المياه. حتى إن معظم البنايات يشاهد المرء في أسطحها ومداخلها خزانات أخرى إضافة إلى الخزانات المعلقة في الجدران.

مؤسسة مياه عدن
مؤسسة مياه عدن

حاولت «الأيام» مرات عدة، وحتى الأسبوع الماضي، التواصل مع مدير مؤسسة المياه م. فتحي السقاف فلم تتمكن من الوصول إليه، فوضعت أسئلتها واستفساراتها على طاولة مكتبه بخصوص أزمة المياه إلا أنه، كالمرات السابقة، اعتذر لانشغالاته، بحسب قوله.


وحول تساؤلات «الأيام» وردود المعنيين حول هذه الأزمة، طرحنا أسئلة على مدير مديرية صيرة خالد سيدو، وأبدى تجاوبه عندما سألناه: إلى متى ستظل معاناة الناس مستمرة مع المياه في المديرية؟ فأجاب قائلاً: "بالنسبة لمشكلة المياه فهي ليست أزمة ولكن توجد معوقات في بعض المناطق المرتفعة مثل العيدروس وشعب العيدروس وجزء من البوميس، وهناك بعض المعالجات من اختصاص المؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي، ونحن كسلطة محلية مشرفة إدارياً على هذه الإدارات نقوم بالمتابعة فقط، وهناك بعض المعالجات ولكن واجهتنا بعض الإشكاليات من قبل بعض المواطنين الذين بنوا في مناطق عشوائية مرتفعة عن مستوى الخزان الموجود لدينا في المنطقة، وهذه من أبرز المعوقات، ولكن من خلال تواصلنا مع الإخوة في مؤسسة المياه تبين أن لديهم مشكلة في الآبار لعدم اكتفاء المياه القادمة من منطقة بئر أحمد ووصولها إلى البرزخ حتى تصل إلى منطقتنا، وهذه الأزمة لا تعانيها مديرية صيرة فقط، ولكن معظم مناطق المحافظة، خاصة المرتفعة منها مثل المعلا والتواهي والقلوعة والبنجسار، لكن هناك متابعات حثيثة مع بعض المنظمات والتي وعدتنا بتوفير بعض المضخات عبر المؤسسة العامة للمياه حتى يتم معالجة هذه المشكلة متى ما توفرت المياه الكافية والداخلة إلى المديرية".

محطة البرزخ
محطة البرزخ
وأضاف: "وفي الوقت نفسه لسنا معنيين بتحديد المدة، ولكن نحن بصدد متابعة الإخوان في المؤسسة وهم وعدونا أنه متى ما استلموا معدات تستطيع أن توفر المياه من الآبار (من المصدر) إلى البرزخ ستحتل هذه المشكلة، ليس على مستوى مديرية صيرة فقط وإنما في جميع مديريات عدن".


وعن ما قدمته المديرية بخصوص أزمة المياه قال سيدو: "قمنا بتنفيذ بعض المشاريع الإسعافية في بعض المناطق ومنها: العيدروس وشعب العيدروس، بتمويل من المديرية للتخفيف من الأزمة، على الرغم من هذا من اختصاص المؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي، لكن اضطررنا لأن نتدخل حفاظاً على حقوق الموطن.. لكن طالما أن هناك نقصاً أو شحة في دخول المياه من منطقة البرزخ إلى المديرية فإن المعاناة ستظل قائمة حتى بوجود مشاريع كبيرة، لهذا نحن نناشد الإخوة في مؤسسة المياه والصرف الصحي بضرورة متابعة إيصال مياه البرزخ إلى مدينة كريتر".

مواطنون يقفون عند بوزة ماء بمنطقة البوميس مديرية صيرة
مواطنون يقفون عند بوزة ماء بمنطقة البوميس مديرية صيرة

وفي تعليقه على قرار منع الآبار العشوائية في منطقة السيلة، والذي صدر من قبل السلطة المحلية بالمحافظة وتحميله مسؤولية إغلاقها بشكل نهائي، قال مدير مديرية صيرة خالد سيدو: "لم نستلم القرار بالإيقاف، ولكن فوجئنا بنزول وكيل المحافظة، رشاد شايع، وقام بإغلاق الآبار وعند الاستفسار من قبلنا أفاد بضرورة فحص مياه تلك الآبار حتى لا يتضرر المواطنون، وقمنا باستدعاء أصحاب الآبار وإحالتهم إلى مؤسسة المياه وهيئة الموارد المائية بالمحافظة، وهي المعنية بإجازة مثل هذه الآبار، وتم النزول من قبل الهيئة وتبين من الفحوصات أن المياه إيجابية، فقمنا بمخاطبة المحافظة بنتيجة فحص المياه، وأفادوا بضرورة استكمال إجراءات منح التراخيص من قبل هيئة الموارد المائية، ونتيجة للأوضاع الراهنة لم نستلم أي توجيه آخر بالإغلاق، لكن ننوه إلى أن هناك آباراً مشابهة تعمل على بيع المياه في بعض المناطق مثل دار سعد والشعب، ولم يتم إيقافها، ونظراً لحاجة المديرية للمياه في ظل الأزمة التي تعانيها، خاصة سكان المناطق المرتفعة، فقد تم السماح لهذه الآبار بالعمل مؤقتاً في ظل حاجة الناس حتى يتم استكمال إجراءات التصاريح وإلزامهم بعدم البيع للاستهلاك البشري.

بئر ماء خاص بمديرية صيرة
بئر ماء خاص بمديرية صيرة

كما نوّه سيدو بوجود تجاوزات يقوم بها بعض المواطنين تضر بالمصلحة العامة، حيث أفاد بأن "هناك بعض المواطنين قاموا بعمل ركائز في الخطوط الرئيسية للمياه ويتم خلاله شفط المياه وتعبئتها على خزانات وبيعها للمواطنين ويشترون من هؤلاء بينما يرفضون دفع ما يستهلكونه من مياه الدولة. هناك توجيه من قبل المحافظة عبر مدير أمن المحافظة بالنزول لإغلاق هذه الركائز لكن حتى اليوم لم ينفذ النزول".

ولمعرفة الخلل في عدم وصول المياه وضعف ضخها في الآونة الأخيرة إلى كثير من المناطق في عدن، قال م. وضاح حسن حيدرة، مدير حقول مياه المناصرة وبئر ناصر، أثناء استضافته في قناة "الغد المشرق" في شهر يونيو المنصرم: "إن كثرة الطلب على المياه في الصيف وتزايد أعداد الوافدين إلى عدن من أسباب انقطاع المياه المتكرر، وهذا يتطلب كميات إضافية من المياه ليغطي جزءاً كبيراً من محافظة عدن، لكن من أهم المشاكل التي نعانيها عدم وجود المضخات الكافية في الحقول وهو السبب الرئيسي في أزمة المياه".

مضخات مياه
مضخات مياه

وعن فساد المؤسسة العامة للمياه قال م. وضاح حسن حيدرة: "إن هناك جهات فاسدة تسعى إلى عرقلة مصالح المواطن"، متهماً إدارة الورش بالمؤسسة بأنها "اختلقت أزمة المياه بهدف تعطيل المضخات، وأن المستفيدين من صفقة المضخات هم المتسببون بأزمة المياه". وكشف م. وضاح عن وجود فساد من خلال "قيام المؤسسة بإتمام صفقة المحركات والتي تم التلاعب بمواصفاتها وبشأنه رفع تقريراً يؤكد بأن المحركات في الصفقة غير مطابقة للمواصفات"، منوهاً بأن محافظ عدن، أحمد سالم ربيع، أكد بوجود هذا التلاعب أثناء نزوله الميداني وطالب بمحاسبة الفاسدين.

ووجّه م. وضاح عبر قناة "الغد المشرق" رسالته إلى محافظ عدن قال فيها: "نحن أبناء المؤسسة وحريصون كل الحرص على تقديم جودة أفضل للمياه ولكن هذا لن يتم بوجود الفساد المستشري في المؤسسة خصوصاً بعد إعادة رموزها".

خزان ماء بمنطقة العيدروس
خزان ماء بمنطقة العيدروس
كما تحدث لـ«الأيام» م. ناظم سالم الكولي، الذي يعمل نائب مدير إدارة توزيعات مياه المنطقة الأولى لشئون تشغيل الشبكة في عدن عن سبب عدم تمكن المؤسسة من إيصال المياه إلى جميع مناطق ومديريات العاصمة عدن، مؤكداً أن هناك عدة أسباب لذلك منها إدارية متمثلة بسوء الإدارة، وذلك في تدخلها في كل كبيرة وصغيرة، وكذا إصدار وإلغاء التكليفات دون مبررات مما تسبب في حدوث إرباك وهذا يؤدي إلى الإضرار بالتركيبة الإدارية للعمال.. كل هذا ينعكس سلباً على أداء عمل المؤسسة". وأشار إلى أن "ضعف ضخ المياه يعود لسببين: رئيسي وثانوي، الرئيسي: يتمثل بغياب الدولة، والثانوي: أداء المستهلك، وهما اللذان أضعفا المياه، من خلال قيام البعض بتركيب مضخات شفط من الشبكة الرئيسية أدى ذلك إلى استغلال البعض الأزمة والقيام بتعبئة خزانات كبيرة بهدف المتاجرة بها، كما هو حاصل في منطقة شعب العيدروس في مديرية صيرة.

كما نوّه م. ناظم إلى "وجود أسباب فنية أخرى مثل وجود خروقات في عمل الشبكة الرئيسية ما نتج عنها ضعف في المياه القادمة من البرزخ، إلى جانب حدوث أعطاب رئيسية أحياناً سببها ناتج من المصادر الرئيسية للمياه من الحقول".

مع كل هذا يجد المواطن أن مشكلة المياه تتسع وتزداد بمرور السنوات ولا يلتمس وجود تحسن في إمدادات المياه، في ظل غياب أي حلول أو معالجات سواءً من طرف الحكومة أو السلطة المحلية، على الرغم من تركيب مضخات في الأماكن المرتفعة، ولكن على ما يبدو أن المخزون المائي في انخفاض مستمر، خاصة في ظل ازدياد عدد السكان. وكما أشرنا سابقاً لم يتم وضع معالجات وحلول جذرية طوال السنوات السابقة تتضمنها خطط تنمية حقيقية تقلل، على الأقل، من المعاناة الكبيرة التي يتكبدها المواطن. ويا خوفنا يأتي يوم يشتري المواطن المياه وبالعملة الصعبة وليس بالريال اليمني، ويغسل ملابسه بمياه الأمطار.. نسأل الله السلامة.

تقرير/ عبدالقادر باراس

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى