مستقبل اليمن في ظل المستجدات والصراعات الأخيرة

د. باسم المذحجي

اليمن دولة من دون أهداف، فالسلطة الشرعية تريد إطالة الحرب بعد ما طالب الشعب بعزلها، وتنصيب مجلس أمن وطني ليحل محلها، وفي المقابل فما في إعلام الإخوان المسلمين فرع اليمن، المدارة عن بعد، تصب الزيت على النار من مختلف عواصم العالم عبر قناتي الجزيرة وبلقيس وقناة اليمن من خارج اليمن، والهدف هو إشعال الفتنة ما بين الإمارات والسعودية، وخدمة دولة قطر في نقاط خلافاتها مع دول الخليج ولا علاقة لليمن بهكذا أجندة. اليمن دولة من دون أهداف.. وفيها ما جعل قضية التقييم مستحيلة وتصب في نمو وحش الفساد في كل مكان، وخصوصاً دفع فاتورة الأجور والمرتبات والخدمات والطرق والمواصلات والسير وإتاواتها، بل نجد وحش الفساد يتمرد مدعوماً بقبول السلطة لذلك. ما من هدف واضح، بل وضوح استدراج الصراع من جماعة الإخوان المسلمين في الجنوب العربي لصالح المشروع الإيراني القطري في اليمن، وفي مفهوم اليمن يكون الوضوح بأن حولتها من الدولة العميقة إلى الأكثر عمقاً، وفيها كبرت الدولة العميقة المرعوبة من تضييع الامتيازات، ليكبر تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية القبلية في اليمن، والتي تخدم الدولة والمشايخ، فتعددت أقنعنها ونجحت في تسويق شعاراتها من خلال الحزب والطائفة والتنظيم، وهذا ليس مفاجأة، لكن المفاجأة هي أن جماعة الإخوان المسلمين ظلت تسلك نهج التجييش هذا، فتحوّلت الدولة كلها إلى معسكر كبير تسيطر عليه الميول الأمنية للجماعة. وهذا الاستمرار على هذا المستوى من الإدراك الأمني للجماعة وشيطنة اليمنيين، يجعل اليمن في الشمال اليمني والجنوب العربي بحاجة متواصلة لمساعدة الدول المانحة، أو الدول ذات الأجندات الإقليمية، وكل ذلك في سبيل حفظ الأمن والدفاع عن الذات واقعاً أم وهماً.

إدارة الدولة الفاشلة في غياب المواطن
تجد قناة اليمن، من اليمن، تتحدث عن ذكرى عاشوراء وذكرى الولاية للإمام علي كسفينة نجاة من اليهود والأمريكان. حتى مراكز الأبحاث في صنعاء قدمت أوراقها الإستراتيجية التي تمجد الولاية لعلي "أي يوم الولاية، ومدى ارتباطه بعلي"، وغيرها من الغثاء الذي لا يدفع راتباً، ولا يوفر الخدمات، ولا يخلق فرص عمل، بل يقدم مزيداً من التحريض على سفك دماء اليمنيين والمزيد المزيد من الجوع والفاقة، وقتل العديد ممن يسموهم بالمنافقين والكفار، وهم اليمنيون، وتكون النهاية ليوم الولاية: "من كنت مولاه فعلي مولاه" ولا ناقة ولا جمل لنا في ذلك نحن اليمنيين.. إلخ.

والواقع يقول بأن نسبة 99 % من اليمنيين لم تعد تشاهد قناة اليمن من اليمن لأنها لا تمثل سوى نفس طائفي كريه ومقزز خارج عن مفهوم إعلام الدولة المحترمة، قبل الحديث عنه كرسالة إعلامية أو سياسة إعلامية.

وإذا شاهدت قناة اليمن، من خارج اليمن، فستجدها ملونة بطيف وحيد يسمى التجمع اليمني للإصلاح، فمدير القناة هو الإخواني السيد/ جميل عزالدين، مراسل قناة وتلفزيون قطر "سابقاً" ويقف خلفه مذيعي قناة سهيل الإخوانية "السابقين" أمثال السيد ماجد دهيم، والسيد ياسر أبوبكر المعلمي، ومع الأسف لا يسمح بسماع صوت الجنوبيين في المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا اليمنيين في (صنعاء وعدن وحضرموت وتعز ومأرب وتهامة والحجرية)، بمساحة حرة تستقبل مختلف وجهات النظر حتى لو كانت لا تتماشى مع السياسة الإعلامية للقناة.

مع الأسف الشديد، كبرت الفجوة الإعلامية ما بين المجتمع اليمني والإعلام الذي يمثله، لتتكشف الأمور بأن اللادولة في صنعاء تمارس دورها الطائفي والميليشاوي في حضور المواطن ورغم أنفه، بينما الدولة الشرعية تمارس دورها الفاشل بكل جدارة، واقتدار في غياب المواطن الموجود داخل اليمن، فهناك فجوة في مواكبة الواقع، وتقديم الخلافات الوطنية بكل صدق وشفافية بعيداً عن الأيدولوجيات الحزبية والأجندات الإقليمية، أما بقية القنوات الأخرى التي تحسب على اليمن فحدث ولا حرج، فهي (تمثل تصورات ورؤية البلد الذي يمولها، أو تنطلق منه في بثها الحي إلى اليمن) قبل سياستها الإعلامية خاصتها أو بلدها الأم اليمن.

باختصار.. دخلنا المرحلة صفر في إدارة الدولة.
لم تتبلور نظرية للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وذلك رأيي الشخصي كمراقب إستراتيجي مهتم بالشأن اليمني. فالإطاحة بالنظام السابق، الذي حكم اليمن في 2012، لم يكن هو الهدف، بل الهدف الحقيقي هو تنفيذ الأجندات القطرية والتركية والإيرانية في اليمن، ونتج عن ذلك تدخل التحالف العربي لدعم الشرعية، فلولا الأهداف التالية لإسقاط النظام لما وضعت اليمن تحت البند السابع.

ماهية الاستقرار الذي نحن بحاجة آلية
لم نعد نعول على مناطق الحوثيين بقدر ما نعول على المناطق المحررة، وخصوصاً الخوخة، والحجرية "التربة"، وباب المندب، والمخا، ومأرب، والجوف، وتعز، والجنوب العربي. لا بد لكل منطقة أن تشطب حصتها من وباء الفوضى والتفخيخ، وعلى الأقل تركها فيما هي باقية عليه، لأن مزيداً من الجرع الفوضوية، والتي تدار من الدولة الشرعية، ستكون كارثية ومميتة، فالوحدة هي وحدة قلوب قبل وحدة الأجندات والحدود والمؤسسات الشرعية والرسمية.

على الجميع خلع الأقنعة، وتجاوز الحسابات السياسية والنأي بالنفس عن الأجندات المدارة من الخارج اليمني، فالولاءات الوطنية هي وحدها التي تبني الوطن وتؤسس لقيام دولة مدنية قوامها النظام والقانون وجوهرها الأمن والاستقرار. بالفعل نحتاج اليوم إلى عقول تدير البلد ببصيرة عميقة وخيال سياسي وتنموي عميق يعبر بنا جحيم العنف والفوضى إلى فردوس الاستقرار، فيما هو متاح وممكن في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها اليمن.

أيها اليمنيون.. هل من حل للفقر وسوق العمل؟ إنّ اقتصاد اليمن مازال مصنفاً بين أفقر اقتصادات المنطقة العربية، كما يرى أن تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في اليمن مسألة معقدة، بسبب الحرب الحالية، وتركيبة اليمن السكانية السياسية والمذهبية والاجتماعية، وعلى التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن ضرورة رسم سياسات تصحح التشوهات التي أصابت بنية الدولة اليمنية نتيجة صراع السنوات الخمس الماضية، ولما كان لا بد لنا من إعداد برنامج للنهوض الاقتصادي، وإعادة الإعمار والإصلاح من أجل عرضه أمام المجتمع العربي الخليجي والدولي.

عمدت إلى وضع هذا البرنامج، وهو يشتمل على سلّة متكاملة ومنسجمة من الإصلاحات البنيوية.

هذا البرنامج يتمحور حول ثلاث بنود أساسية:

أولاً: تختصر حكاية اليمن بأن نظام الحكم فيها سقط سنة 2011، بفعل خلافات مراكز القوى والدولة العميقة في (سنحان وعمران وذمار وخمر ومران) على السلطة والثروة، وتمخضت الخلاصة بأن القوة الميليشاوية الحوثية المدعومة من العدوان الإيراني الفاقدة للإرادة الشعبية أسقطت شمال الشمال اليمني تحت سيطرتها، ثم توجهت لتخضع (الجنوب وتهامة ومأرب والحجرية "التربة"، وذوباب في باب المندب)، لكن الجنوب العربي امتلك إرادة شعبية وقوة عسكرية لاستعادة الأرض والوطن والهوي، ولم يعد لدينا نحن في الشمال اليمني إلا الدفاع عن الوحدة تحت صيغة اليمن الاتحادي الكونفدرالي، والتي تؤمن بمشروع الدولة المدنية بوصفه الخيار الإستراتيجي، وهذا المشروع من شأنه أن يحلحل كلّ الأزمات والمشكلات ويضع لها الحلول الجذرية فلا نحتاج إلى الإلغاء أو الإقصاء، بل اعتماد سياسة التقريب والتركيز على نقاط مشتركة، وهذه الصيغة قد نخسرها إذا استمرت قوى شمال الشمال تسير بنفس الأسلوب الذي لا يقبل بالانقياد، وتدير المشهد اليمني بذات العقلية الاستبدادية.

ثانياً: صيغة اليمن الاتحادي الكونفدرالي لا بد لها أن تمر بمرحلة استكمال المؤسّسات العامّة الضامنة لسيادة حكم القانون، وإرادة الشعب كمجلس الاتحاد، والمحكمة الاتحادية العليا، وننتقل نحو الدولة الإنمائية "الدولة التنموية"، أي هي الدولة التي تؤسس شرعيتها بقدرتها على إطلاق عملية تنموية متواصلة، وتقتصر على وجود قيادة مستنيرة ذات فلسفة تنموية، وتوفير البيئة اللازمة لقيام مشروعات تنموية، وننطلق نحو حياد المؤسّسات العامّة والخاصّة التام تجاه المواطن في الشمال اليمني والجنوب العربي، والتعامل معه بهذه الصفة فقط، والنأي بهذه المؤسّسات عن التحزّب والهيمنة من قبل شخصيات تتّخذها واجهة للعمل السياسي أو الحزبي.

ثالثاً: إعطاء المحافظات والأقاليم والمواقع الإستراتيجية دوراً اقتصادياً واضحاً يمكنها من أخذ المبادرة لتنمية مواردها الذاتية، وتحويلها نحو المصلحة العامّة لكل اليمنيين في الشمال اليمني والجنوب العربي.

الحكاية تختصر بكيف يتم جعل المجتمع المدني الضعيف يتحول إلى مجتمع قوي بمرور الوقت، والسعي للعمل على المستوى الدولي وفق ما رسمته القواعد القانونية، لاسيّما ما ورد بالدستور، من أنّ اليمن بلد مؤسّس لجامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها والأمر ينسحب إلى منظمة الأُمم المتحدة وغيرها، من المنظمات والاتفاقيات التي من شأنها أن ترسخ حلحلة المشاكل بالطُّرق السلمية والابتعاد عن القوّة أو التهديد بالقوّة في العلاقات الدولية.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى