هل يُمكن معالجة الخلل الدفاعي في معارك «الدرونز» الإيرانية؟

أحمد عليبة

استفاض العديد من المحللين والخبراء الأمريكيين حول دوافع عملية الانتقال المؤقت للقيادة الأمريكية بقاعدة "العديد" في قطر إلى مركز القيادة في نورث كارولينا والذي كشفت عنه صحيفة "واشنطن بوست"، وأكدته "ريبيكا ريباريتش" المتحدثة باسم البنتاجون لشئون القيادة الوسطى CENTCOM، والتي كان أبرزها المخاوف من تهديد إيراني في ظل تعدد الهجمات التي شنتها إيران على مواقع حيوية في الخليج، ولا سيما منشآت نفط أرامكو السعودية، والإشارة إلى أن تلك التهديدات يمكن أن تطال التواجد الأمريكي في الخليج والعراق.

وبينما كانت الولايات المتحدة تزيد من حشدها العسكري في الخليج على التوالي، تزايدت الهجمات الإيرانية المباشرة وهجمات الميليشيا الحوثية في اليمن، الأمر الذي طرح الثقة في فاعلية الدفاعات الأمريكية في الخليج، وأنها ليس بإمكانها التجاوب مع أنماط التهديدات الإيرانية الحالية باستخدام الطائرات دون طيار والصواريخ المجنحة. فقد بدأت العمليات النوعية الإيرانية ضد الولايات المتحدة نفسها مع إسقاط طائرة دون طيار أمريكية Triton-MQ4C فوق مضيق هرمز قبالة السواحل الإيرانية في 20 يونيو الماضي، ثم توالت الهجمات على أرامكو خلال الأشهر التالية، وهما حدثان دالّان على أن إيران فرضت معادلة اشتباك غير تقليدية مع الولايات المتحدة بشكل مباشر من ناحية، وأنها وازنت بين قدراتها الدفاعية والهجومية -في حالة الدرونز- من ناحية أخرى.

إيران تُناور بين مشروعين
من المرجّح أن إيران اختارت الطريق الأسهل والأقل كلفة، وهو بناء قدرات هجومية غير تقليدية، من الطائرات دون طيار "الدرونز" والصواريخ المجنحة، في حين تشغل العالم ببرنامجها النووي والصواريخ طويلة المدى. وليس من المرجّح أن تتخلى إيران عن تلك البرامج، كأوراق ضغط جوهرية على القوى الدولية والإقليمية. وبالتالي، فإن إيران عبر مسار طويل نجحت في إرساء منظومة كاملة من التهديدات التي يصعب التعامل معها، حيث لا تقتصر تلك المنظومة على أنماط التسليح غير التقليدية، بل والجيوش غير التقليدية أيضًا، حيث تمكنت من تأسيس "جيوش صغيرة" موالية لها أيديولوجيًّا في اليمن والعراق ولبنان وغزة. وأصبحت هذه "الجيوش" تمتلك ترسانات ضخمة من الأسلحة غير التقليدية. وعلى النحو الذي تُطور إيران به تلك القدرات، فإنها لا تزال قادرة على تطوير قدرات الوكلاء. فعلى سبيل المثال، حصل حزب الله على أجهزة توجيه دقيقة لصواريخه تشير تقديرات إلى أنها على الأقل تغطي الآن 14 صاروخًا، كما أمدّت الميليشيا الحوثية في اليمن بالجيل الثاني من الطائرات دون طيار المنتجة إيرانيًّا.

استنتاجات رئيسية
الاستنتاج الرئيسي -في هذا السياق- هو أن إيران ستواصل بناء نفس القدرات بطريقة ربما أسرع من بناء القدرات في المشروع النووي والصواريخ طويلة المدى، وبالتبعية ستكون لدى إيران القدرة على خلق التوتر في المنطقة من خلال عملية استهداف مواقع حيوية ربما تفوق تأثيراتها تداعيات نظيراتها في الحروب النمطية كتدمير البنية التحتية وسقوط الضحايا، فأثر استهداف أرامكو على حالة الطاقة في العالم ربما يفوق تأثيره الآثار الناجمة عن هجمات كبيرة في الحرب السورية على سبيل المثال.

أما الاستنتاج الثاني؛ فهو خطأ تحميل القصور الدفاعي في الخليج على المنظومات الأمريكية مثل باتريوت PATRIOT، خصوصًا أن النسخ الأحدث من الباتريوت PAC-3 يمكنها التعامل مع الصواريخ الكروز، بل لا تزال هناك حاجة لمثل تلك المنظومات، ويصعب التخلي عنها. كما تعاقدت السعودية في عام 2018 على صفقة ثاد THAAD مع شركة لوكهيد مارتن الأمريكية، بالإضافة إلى موافقتها في يوليو الماضي على استضافة قوات أمريكية متخصصة في مجال الدفاع الصاروخي، لكن لا يمكن الاعتماد عليها لصد الهجمات من نوعية الطائرات دون طيار والصواريخ الكروز "المجنحة"، وهو ما يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج معالجة الخلل الناجم عن وجود دفاعات يمكنها التعامل مع الأهداف التي تعمل على مديات منخفضة.

الاستجابة لتطوير قدرات الردع ضد الدرونز
في ضوء ما سبق، يمكن تصور أن استجابة الولايات المتحدة للتعامل مع التهديدات التي تفرضها إيران في الخليج أقل مما هو متوقع، أو لا تزال محدودة، حيث لا تزال تلجأ إلى تدابير احترازية للحد منها. على سبيل المثال، احتجت الولايات المتحدة على إنشاء الحشد الشعبي في العراق قوة جوية خاصة بالطائرات دون طيار على غرار الحوثيين في اليمن، وربما ساهم ذلك في دفع الحكومة العراقية للإسراع بإصدار أمر ديواني جديد لإعادة هيكلة الحشد، ووضع تلك القوة ضمن الهيكلة الجديدة تحت سيطرة الحكومة. لكنّ مقارنة ذلك الأداء بالحالة الروسية في سوريا تكشف عن منظور آخر للاستجابة لردع مثل تلك التهديدات؛ ففي أعقاب هجوم بالطائرات دون طيار على قاعدة حميميم في يناير 2018 سارعت روسيا إلى نشر منظومة "بانتسير"، بل وطورت نسخة أحدث لهذا الغرض تحديدًا هي "Pantsir-S 1M" التي يصل مداها إلى 30 كلم. وتشير تقارير عديدة إلى أنها نجحت بالفعل في تشكيل ستار لصد هجمات طائرات دون طيار.

في السياق ذاته، دفعت التقارير التي تؤكد نجاح المنظومة الروسية كثيرًا من المراقبين إلى النصح باستخدامها في الخليج، لكن هناك وجهات نظر مختلفة في تقدير مدى فاعلية تلك المنظومات في الحالة الخليجية. على سبيل المثال، هناك تحديات عديدة، منها اتساع مساحة الحدود وكثرة عدد المواقع التي ستكون هناك حاجة لتأمينها، فضلًا عن أنه لا يعتقد أن المنظومة الروسية اختبرت "الدرونز" الإيرانية المتطورة مؤخرًا من الجيل الأحدث مثل "مبين" التي تم عرضها مؤخرًا في معرض عسكري في موسكو، أو الطائرة "المهاجر 6" التي عرضتها القوة الجوية في الحرس الثوري الإيراني في عرض عسكري أُقيم لها خصيصًا. بمعنى آخر، هناك تحالف روسي-إيراني في سوريا. وإجمالًا يمكن القول إن روسيا نجحت في تأمين تواجدها وتمددها في شرق المتوسط في عمق مناطق النفوذ الأمريكي والناتو، بالإضافة إلى التوسع في العمق السوري، حيث تقوم بتوسيع قاعدة حميميم في المرحلة الحالية. وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تعاني من خلل دفاعي فرضه الخصوم عليها في الخليج.

من ناحية أخرى، نصحت تقديرات أمريكية أيضًا باستخدام نظام أفنجر Avenger الأمريكي باعتباره أحدث الأنظمة الدفاعية الأمريكية. وعلى الرغم من الميزات العديدة التي يشكلها هذا النظام، لكن يعتقد أنه قد يواجه تحديات في التعامل مع الهجمات الإيرانية الكثيفة التي يستخدم فيها حتى الآن ما بين 10-20 طائرة دون طيار. وربما يكون هناك تنويع وتزامن بين الطائرات والصواريخ الكروز، في حين أن نظام أفنجر يحمل 8 صواريخ ستنجر فقط، بالإضافة إلى أنه ستكون هناك حاجة لنشر عدد كبير من النظام في حالة الحاجة إلى تأمين حدود أو مواقع عديدة.

ويلاحظ أن أغلب التقديرات ركزت على عملية إسقاط الهدف، بينما عملية رصد الهدف ذاتها قد تشكل قدرًا أكبر من الصعوبة في حالات كثيرة، وهو ما يفسر سباق شركات إنتاج الأنظمة لنوعيات متخصصة في الرصد، منها -على سبيل المثال- نظام "رانميتال" الألماني، وهو من الأنظمة المتقدمة في الكشف عن الطائرات، ولا سيما المحملة بمتفجرات. كما تشير تقديرات أمريكية أخرى إلى نظام القبة الحديدية الذي طورته (رافائيل– الإسرائيلية) و(رايثون– الأمريكية). كذلك، نشرت دورية Popular Mechanics الأمريكية أن شركة رييثون طورت نظامًا أحدث هو "PHASER"، وقد يدخل الخدمة نهاية العام المقبل.

"المركز المصري للدراسات"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى