من صالح إلى هادي وما بعدهما.. متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟

مصطفى النعمان

كان المشهد استثنائيا في تفاصيله على الشاشات حين قبّل الرئيس الراحل علي عبد الله صالح علم الجمهورية وسلمه إلى خلفه الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، الذي ناوله إلى مرافقه الخاص، وظن الكثيرون -ولم أكن واحدا منهم- أن ذلك سيمثل نهاية عهد طال أمده وبداية آخر محدد بفترة عامين تجرى بعدهما انتخابات رئاسية، أعلن هادي أثناء أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب أنه لن يشارك فيها.

كنت أتابع المشهد عن بعد، وعبر أصدقاء قريبين من الرئيسين، الخلف والسلف. ولم يكن في الأفق ما يشي بأحداث ستعصف باليمن، وكانت الفرحة بـ "رحيل" صالح تملأ صدور خصومه، والدعم الإقليمي والدولي مؤشر إلى أن اليمن سيكون تحت رعاية ومتابعة من العالم أجمع، لما كان يصفه المبعوث الأممي السابق، السيد جمال بن عمر، بالمعجزة اليمنية في التحول السلمي للسلطة.

كان أمل المواطنين أن تسير الأمور طبيعية، وأن تنطلق التحضيرات لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، بحسب النصوص المقرة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية "المزمنة"، والتي اعتمدها مجلس الأمن. وكانت بداية الاختلالات هي الفتوى التي استمع إليها الرئيس هادي، وبموجبها رفض تشكيل لجنة تفسير المبادرة الخليجية وملحقها التنفيذي. وكانت وجهة نظر المعترضين أنها (أي اللجنة) ستصبح شريكة له في قراراته، وسيكون لها قوة الاعتراض على ما يخالف النصوص. كان النص واضحا "في غضون 15 يوما من دخول مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وآلية تنفيذها حيز التنفيذ، ينشئ نائب الرئيس ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني المكلف لجنة التفسير لتكون مرجعية للطرفين لحل أي خلاف في تفسير المبادرة الخليجية والآلية".

كان من المفروض أن تتكون لجنة التفسير من الأربعة الذين شاركوا في وضع الصيغة النهائية للمبادرة والآلية التنفيذية، وهم: الراحل الدكتور عبد الكريم الإرياني، والدكتور أبو بكر القربي عن المؤتمر الشعبي، والدكتور ياسين سعيد نعمان، والأستاذ عبد الوهاب الآنسي عن اللقاء المشترك. وقد أثرت الموضوع معهم في حينها، وتساءلت عن أسباب عدم إنشائها، إلا أنهم جميعا قالوا إن الرئيس يتحفظ على تفعيلها ويبدي قلقا تجاهها. وكان هذا في نظري بدء مرحلة انفراد بالقرار في مرحلة كان شعارها الافتراضي "الشراكة".

عند استعادة المشهد السياسي منذ إحالة سلطات الرئيس إلى نائبه، والتي بموجبها كُلّف الأستاذ محمد سالم باسندوة تشكيل الحكومة، كان واضحا أن رئيس الحكومة الجديدة ليس قادرا على ضبط قواعد عملها، لأنه منذ البدء تنازل عن حقه الدستوري والسياسي في المشاركة باختيار أي من أعضائها، لأن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية منحت هذا الحق للمؤتمر الشعبي العام واللقاء المشترك، كما أنه بحكم طبيعته المسالمة وغير الصدامية لم يصارع من أجل صلاحياته. ولكن ملامح الخلاف بدأت بين الرئيسين هادي وصالح مبكرا عند تشكيل حكومة الأستاذ محمد سالم باسندوة، إذ أصرّ صالح على استبدال اللواء محمد ناصر أحمد من موقعه وزيرا للدفاع، الذي تمسك به هادي، وكان ذلك مؤشرا لما يفكر فيه الرجلان إزاء القوات المسلحة، وكان مؤثرا على القرارات التي اتخذها بعد نقل السلطة إليه.

في تلك الفترة الحاسمة، ظل المؤتمر الشعبي يعيش حالة انفصام في قمته، فقد ظل الرئيس الراحل علي عبد الله صالح يدير أموره، وتوارى الرئيس هادي عن مشهده لأنه بقي مسكونا بعدم الثقة في هيئاته التنظيمية، بمبرر أنها تدين بالولاء لصالح، وهو كان شاهدا على الأمر خلال ثمانية عشر عاما عمل خلالها تحت ظل صالح. ولم يتمكن هادي من استغلال موقع الرئاسة وموقعه كنائب لرئيس المؤتمر الشعبي بسبب شكوك لم يتمكن من تجاوزها ومعالجتها، وكان يتجنب انعقاد اللجنة العامة برئاسته، وهي أعلى مؤسسات التنظيم.

وأصيب المؤتمر بحالة من الجمود، وانقسم أعضاء اللجنة العامة بين متمسك بزعامة صالح، وفريق ينادي بأحقية هادي في ترؤسها بحكم العادة التي كانت تمنح الموقع لرئيس الجمهورية، على الرغم من أن اللائحة التنظيمية ألغت هذا الإرث وجعلته بالانتخاب المباشر من المؤتمر العام للتنظيم، وهو ما حدث خلال المؤتمر العام السابع المنعقد في عدن شهر ديسمبر 2015، إذ أدخلت لجنة ترأسها هادي نفسه تعديلات، بموجبها انتُخب صالح رئيسا وهادي نائبا أولا، والدكتور الإرياني نائبا ثانيا، والأستاذ عبد القادر باجمال أمينا عاما.

تفاقم التوتر بين الرئيسين هادي وصالح، ولم تنجح كل مساعي قيادات المؤتمر في إزالة الشكوك، وارتفعت نبرة الاتهامات المتبادلة عبر وكلائهما. ولا بد أن خصوم صالح أبدوا سعادتهم لهذا، وشعر الرئيس هادي أنه لن يستطيع الفكاك من نفوذ صالح السياسي وعدم اقتناعه بالخروج من المشهد السياسي كما كان متوقعا.

لم يكن للرئيس الجديد قاعدة شعبية يستند إليها ولا حزبا يعتمد عليه ولا قوة عسكرية يثق بها، فكان أن اضطر إلى الاعتماد أكثر فأكثر على القوى المعارضة لصالح، وكان ذلك على حساب المؤتمر الشعبي العام، الذي شعر كثير من قياداته أن هادي قد تخلى عن التنظيم الذي يفترض أن يكون قاعدته الحقيقية، وزاد أن صار اعتماده الكلي في التعبير عن قوته على الدعم الخارجي عبر المبعوث الأممي جمال بنعمر والسفير الأميركي، وهو ما ظهر واضحا في المكالمة الشهيرة التي سجلها أمين عام مؤتمر الحوار الوطني الأستاذ أحمد بن مبارك (السفير الحالي في واشنطن)، وأذاعها الحوثيون بعد اختطافه، وعبّر هادي خلالها دون تحفظ عن اعتماده الكلي على مجلس الأمن لتقليص نفوذ خصومه ومعارضيه وتهديدهم.

كان القلق الأكبر عند الرئيس هادي هو قوة الحرس الجمهوري وولاؤه الكامل لصالح ونجله، وكذلك وجود أبناء أخيه وعدد من القادة العسكريين المقربين منهم في مواقع النفوذ داخل مؤسستي الأمن والجيش، فتوالت قرارته الحاسمة. فبدأ في أوائل مارس 2012 بعزل اللواء مهدي مقولة من قيادة المنطقة الجنوبية، وعيّن اللواء الراحل سالم قطن محله، وفي أبريل من نفس العام أزاح أخ صالح غير الشقيق، اللواء محمد صالح الأحمر، من موقعه كقائد للقوات الجوية، والعميد طارق محمد عبد الله صالح من قيادة اللواء الثالث بالحرس الجمهوري، الذي كان أقوى أفرع "الحرس". وتوالت قرارات الرئيس هادي في ملاحقة نفوذ الرئيس الراحل، وهو ما زاد من اتساع مساحات الشكوك بينهما.

في بدايات العام 2012، تسرّبت أنباء عن قرار ينوي مجلس الأمن اتخاذه لتحذير الرئيس الراحل، وحين اتصلت بالدكتور الإرياني لأستفسر منه عن مبررات ذلك، أجاب بأنه ليس أكثر من تحذير لصالح للتوقف عما قال إنه "إرباك" للمرحلة الانتقالية. وفي 12 يونيو 2012، صدر القرار برقم 2051 طالبا في مادته السادسة "وقف جميع الأعمال التي يهدف بها إلى تقويض حكومة الوفاق الوطني وتقويض عملية الانتقال السياسي، والتدخل في القرارات المتعلقة بإعادة هيكلة القوات المسلحة وقوات الأمن، وإعاقة المراسيم الرئاسية الصادرة في 6 أبريل 2012 بشأن التعيينات العسكرية والمدنية، ويعرب عن استعداده للنظر في المزيد من التدابير، بما في ذلك اتخاذ تدابير بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة إذا استمرت هذه الأعمال التي تتيح لمجلس الأمن اتخاذ تدابير لا تحتاج استخدام القوات المسلحة لتنفيذها، ومن بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات".

كان القرار 2051 متسقا مع مساعي هادي والمجتمع الدولي لطي صفحة صالح السياسية، لكن الرئيس الراحل لم يتقبل الأمر وبقي مصرا على البقاء في المشهد، بل في صدارته حتى آخر يوم من حياته.

"إندبيندنت"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى