الثلاثاء, 21 يوليو 2026
103
ليس أخطر على الأوطان من أن تتحول زوايا النظر المحدودة إلى حقائق مطلقة، وأن يظن كل زعيم أو مكوّن أو تحالف أن ما يراه من موقعه هو المشهد كله. فالإنسان أسير تجربته وموروثه ومصالحه ومخاوفه، ولهذا تختلف المواقف بين مؤيد ومعارض وصامت، ولكل منهم أسبابه ودرجاته. غير أن الاختلاف، مهما كان طبيعيًا، يصبح خطرًا حين يعجز كل طرف عن مغادرة زاويته والنظر إلى القضية بعين الآخرين.
واليمن منذ عقود يدفع ثمن هذا العجز. فقد نُظر إلى الدولة من زاوية الغلبة، وإلى الشراكة من زاوية القوة، وإلى الحقوق من زاوية المصالح، فتراكمت المظالم، وضعفت المؤسسات، وتحولت الخلافات إلى حروب مفتوحة. ولهذا فإن أي حل لليمن لن يكون عادلًا أو قابلًا للحياة ما لم يعترف بتعدد واقعه، وحقوق مناطقه، وتنوع مجتمعه، ويغلق طريق العودة إلى المركزية والإقصاء والاستحواذ.
أما الجنوب، بقضيته العادلة، فيقف اليوم أمام اختبار تاريخي لا يقل خطورة. فكل زعيم أو مكوّن أو تحالف مدعو إلى ألا يتخلى عن رؤيته، بل إلى أن يوسّعها؛ أن ينظر من زاوية كل محافظة، وكل فئة، وكل مكوّن، وكل مواطن أنهكته الحرب، ومن زاوية الأجيال التي لم تصنع خلافات الماضي، لكنها ستدفع ثمن استمرارها.
ومع اقتراب حوار الرياض، لا يكفي أن يدخل الجنوبيون بقضاياهم ومطالبهم، بل ينبغي أن يدخلوا برؤية أوسع من حدود مكوناتهم، وبإدراك أن الجنوب أكبر من أي طرف، وأن مستقبله لا يُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الشراكة والتوافق وحماية الحق العام.
ومن أجل ذلك قدمنا وثيقة توحيد الجنوبيين أساس الحل وملحقاتها ووثيقة المبادئ، لتكون أرضية جامعة قبل حوار الرياض وأثنائه وبعده؛ لا لإلغاء التعدد، ولا لفرض رؤية بعينها، بل لنقل الجنوبيين من تعدد الزوايا إلى وحدة الاتجاه، ومن تنازع المصالح إلى حماية المصلحة العليا، ومن صراع التمثيل إلى شراكة تصون القضية وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.
إن نجاح الحوار لن يُقاس بعدد المقاعد ولا بحجم النفوذ الذي يحققه كل طرف، بل بقدرة الجميع على تجاوز الحسابات الضيقة، ورؤية الجنوب من خارجه وداخله، ورؤية اليمن كما هو لا كما يراد له أن يكون.
فحين يتسع الوطن في العقول، تضيق مساحات الخلاف، وحين تضيق الزوايا، يضيع الوطن كله.
* نائب وزير الخارجية الأسبق