الثلاثاء, 21 يوليو 2026
102
تُعد الأخلاق معيارًا أساسيًا تُقاس به عافية المجتمعات وتماسكها. وعندما تختل الموازين وتُقدم المصلحة الآنية على المبدأ، ويُكافأ السلوك الانتهازي ويُستثقل السلوك المبدئي، فإننا لا نكون أمام أزمة أفراد بقدر ما نحن أمام اختلال في منظومة القيم.
وما يلمسه كثيرون اليوم هو هذا الشعور: أن الإنسان الصادق المخلص في دينه وعمله وانتمائه لوطنه قد يجد صعوبة في بيئته. فالصريح قد يُفهم على غير مقصده، والمخلص قد يُتهم بالمثالية، بينما تُوصف المجاملة المفرطة أحيانًا بالمرونة. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على المبدأ دون أن نصطدم بالواقع، وكيف نتعامل مع الواقع دون أن نتنازل عن المبدأ.
إن هذا النوع من التباين ليس جديداً في تاريخ المجتمعات البشرية. وهو يظهر بوضوح عندما تضعف الاعتبارات الأخلاقية وتتقدم الاعتبارات المصلحية. وقد أشار الوحي إلى ذلك في إطار "سُنن اجتماعية" تحذر من انقلاب الموازين. من ذلك قوله ﷺ: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويُخون فيها الأمين". وقوله: "يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر". وفي المقابل جاءت البشارة: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
وبذلك يمكن فهم هذه المرحلة على أنها مرحلة اختبار وتمييز. اختبار لصدق النوايا، وتمييز بين الثابت والمتغير، وبين من يعمل للغاية ومن يعمل للوسيلة. وهي أيضًا دعوة للمراجعة قبل أن تترسخ أنماط سلوكية تهدد التماسك المجتمعي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما السبيل للتعامل مع هذا الواقع بوعي ومسؤولية؟
السبيل في منهج متوازن يجمع بين ثلاثة أمور: الوضوح، والحكمة، والاحتساب.
الوضوح هو التمسك بالقيم الأساسية: الصدق والأمانة والإتقان. فهذه قيم لا تحتمل المساومة لأن التنازل عنها هو خسارة طويلة المدى حتى وإن بدت فيها مكاسب قصيرة.
والحكمة هي أن ندرك الفرق بين الجوهر والأسلوب. فالتمسك بالحق لا يعني بالضرورة الفظاظة، وبيان الرأي لا يعني بالضرورة المواجهة. والحكمة تقتضي اختيار الوقت المناسب، والطريقة المناسبة، والمخاطب المناسب، والقدر المناسب. وهذا من صميم ما يُعرف بـ "فقه الأولويات وفقه الواقع".
والاحتساب هو أن يكون الدافع الأول هو أداء الواجب لله ثم للوطن ثم للمجتمع، لا انتظار التقدير الفوري. ومع ذلك تبقى الحاجة قائمة لبناء بيئات داعمة. فالأفراد المتقاربون في القيم عندما يتعارفون ويتعاونون يصبحون قادرين على إحداث أثر إيجابي وتغيير تدريجي.
إن معالجة هذا الاختلال مسؤولية مشتركة. مسؤولية الفرد في أن يلتزم بما يعتقد أنه حق. ومسؤولية المؤسسات في أن ترسخ معايير الكفاءة والشفافية وتكافئ الجهد المخلص. ومسؤولية المجتمع في أن يعيد الاعتبار للقيم التي تحفظ تماسكه: الصدق، والعمل، والانتماء.
فالأوطان لا تبنى إلا بسواعد المخلصين، والمجتمعات لا تنهض إلا بجهد الصادقين، والمستقبل لا يصنعه إلا من آمن أن الطريق الطويل المبني على المبدأ أبقى وأرسخ من الطريق القصير المبني على المساومة.
والعاقبة للصادقين المصلحين.