الثلاثاء, 21 يوليو 2026
92
ليس الفقر هو المشكلة الأولى، بل الفساد الذي يصنع الفقر، ويحميه، ويمنع الخروج منه. وكل حديث عن تحسين معيشة الناس دون مواجهة الفساد، ليس سوى محاولة لمعالجة الأعراض وترك المرض يتفاقم. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بقدرتها على صون تلك الثروات من العبث، وبمدى خضوع الجميع لسلطان القانون. وعندما يغيب الحساب، تصبح موارد الدولة غنيمة، ويصبح الفقر هو الثمن الذي يدفعه المواطن كل يوم.
ترتيب الأولويات هو حجر الأساس لأي مشروع إصلاح سياسي حقيقي. وعندما نتحدث عن عدن، فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون موضع نقاش: محاربة الفساد والفقر معًا، مع البدء بالفساد لأنه البيئة التي ينمو فيها الفقر، والمحرك الرئيس لاتساع رقعته، بل إنه الأب الشرعي لتكاثر الفقراء وتآكل فرص الحياة الكريمة.
ولا يمكن أن تتحقق هذه المعركة إلا بوجود دولة تمتلك مؤسسات قوية، وقضاءً مستقلًا، وأجهزة رقابية لا تكتفي بكتابة التقارير، بل تمتلك القدرة على المحاسبة وإنفاذ القانون. فالقوانين التي لا تُطبق لا تختلف كثيرًا عن اللوحات الإرشادية في الصحراء؛ جميلة المنظر، عديمة الجدوى. كما أن الإصلاح يحتاج إلى مجتمع يرفض التعايش مع الفساد، ويكسر التابوهات التي جعلت منه أمرًا مألوفًا، ويتجاوز حالة الصمت والرضا بالأمر الواقع. فحين يتحول الفساد إلى ثقافة، وتصبح بعض اللوائح والقوانين مظلة لحمايته بدلًا من مكافحته، فإن الإصلاح يبدأ أولًا بإصلاح الوعي قبل إصلاح النصوص.
في واقعنا، يدرك الفاسد مسبقًا أن أقصى عقوبة قد تنتظره ليست السجن، ولا استرداد الأموال، ولا المحاكمة، وإنما "النقل" إلى موقع آخر، وربما أكثر نفوذًا وأوسع صلاحيات. وكأن الفساد أصبح خبرة إدارية تستحق الترقية لا جريمة تستوجب العقاب.
لقد سئم الناس الخطب الرنانة والبيانات المليئة بالمفردات اللامعة عن النزاهة والشفافية، بينما يرون بأعينهم كيف تتحول الأموال العامة إلى قصور شاهقة، وفلل فاخرة، وأرصدة مصرفية متضخمة، في الوقت الذي تكبر فيه طوابير الفقراء يومًا بعد آخر.
فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بعدد الأرغفة التي يستطيع شراءها، وبقدر ما يرى القانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
وعلى امتداد عقود، كم قضية فساد كبيرة رأيناها تصل إلى حكم قضائي نهائي؟ وكم مسؤولًا نافذًا أُدين وأُعيدت الأموال التي نهبها؟ الإجابة يعرفها الجميع، ولذلك لم يعد أحد يندهش عندما يسمع عن ملفات فساد تُفتح في الإعلام، ثم تُغلق في الأدراج، وكأنها كانت في إجازة قصيرة.
أما الطريف المبكي، فهو وجود ما يشبه "الحصانة المقدسة" لبعض المناصب العليا، حتى يخيل للمرء أن المنصب يمنح صاحبه مناعة ضد القانون لا مسؤولية أمامه. والحصانة في الأصل وجدت لحماية الوظيفة العامة من الكيد والتعسف، لا لحماية الفساد من العدالة أو تعطيل المساءلة والمحاسبة.
ولم تعد البيانات والخطب تُحدث في الناس الأثر الذي كانت تراهن عليه السلطة. فقد اكتسب المواطن، هو الآخر، حصانة كاملة ضد الوعود، وأصبح يميز بين الكلام الذي يُقال والواقع الذي يُعاش. فالوعود مهما كانت منمقة لا تخفض الأسعار، ولا توفر الكهرباء، ولا تعيد المياه إلى المنازل، ولا تسترد المال المنهوب.
ولعل أخطر ما شهده الفساد في السنوات الأخيرة أنه لم يعد يكتفي بالدوران داخل الاقتصاد المحلي. ففي الماضي، ورغم خطأ ذلك وعدم جواز تبريره، كانت بعض الأموال المنهوبة تعود بصورة مشاريع أو استثمارات داخل البلاد، بما يبقي جزءًا من الدورة الاقتصادية في الداخل. أما اليوم، فقد تطور الفساد وهاجر مع أصحابه؛ تُنهب الأموال من هنا، وتُبنى بها القصور هناك، وتُشترى بها العقارات في الخارج، وتُفتح بها الحسابات والاستثمارات بعيدًا عن الوطن الذي دفع ثمنها.
إنه لم يعد فسادًا فحسب، بل أصبح تصديرًا منظمًا للثروة الوطنية واستيرادًا للفقر إلى الداخل، حتى بات المواطن يشاهد ثروات بلاده وهي تغادر، فيما تبقى الأزمات والخدمات المتدهورة في انتظاره كل صباح.
ولهذا، فإن الحديث عن محاربة الفقر دون محاربة الفساد يشبه محاولة تجفيف أرض تغمرها المياه بينما الصنبور ما يزال مفتوحًا.
وسيظل الفقر يتكاثر ما دام الفساد يجد من يحميه، أو يتسامح معه، أو يكتفي بإدانته في الخطب واحتضانه في الواقع.
إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة قانونية فحسب، بل معركة أخلاقية واقتصادية ووطنية. فلا وطن ينهض وأمواله تُنهب، ولا اقتصاد يتعافى وثرواته تهاجر، ولا مجتمع يستقر حين يفقد ثقته بأن القانون يُطبق على الجميع. ولذلك فإن أول خطوة في محاربة الفقر ليست توزيع المعونات، بل تجفيف منابع الفساد، لأن المال العام إذا حُمي استطاع أن يبني مدرسة، ويشغل محطة كهرباء، ويقيم مستشفى، ويوفر فرصة عمل.
فالناس لا تريد معجزات، ولا تبحث عن خطابات ملحمية. كل ما تريده أن ترى فاسدًا واحدًا يُحاسب قبل أن يُنقل، وأن يُسترد مال عام واحد قبل أن يتحول إلى قصر جديد في بلد آخر.
عندها فقط سيصدق الناس أن الدولة بدأت تخوض معركتها الحقيقية، وأن شعار "محاربة الفساد" لم يعد مجرد عنوان جميل يُرفع في المناسبات، ثم يُعاد إلى المخزن حتى إشعار آخر.