في يوم البعث تكون الصيحة واحدة، فإذا بالناس يخرجون من الأجداث إلى يوم عظيم. أما صيحتنا اليوم، فليست صيحة موتى، بل صيحة أحياء طال سباتهم، واستسلموا طويلًا لظلمٍ أشد قسوة من الموت؛ ظلمٍ جعل الإنسان يعتاد الإهانة، ويتصالح مع الفشل، وينتظر حقه ممن أضاعه.

ليست هذه دعوة إلى فوضى، ولا إلى انتقام، ولا إلى صراع جديد. إنها دعوة إلى يقظة. إلى أن ينهض المواطن من داخله أولًا، وأن يدرك أن الحقوق لا تعود بالصمت، وأن الكرامة لا تُسترد بالانتظار، وأن من أذلوا الناس لعقود لن يتحولوا فجأة إلى حماة لحقوقهم.

نحن نتحدث عن شعب من أرض عريقة، ومن سلالة ساهمت في بناء حضارات إنسانية عظيمة، وذُكرت في الكتب السماوية، وكان لها حضور في التاريخ والعمران والتجارة والقيم. فكيف يليق بأبناء هذه الأرض أن يقبلوا اليوم أن يكونوا أسرى للفشل، وضحايا للفساد، وأرقامًا في تقارير المعاناة، وصورًا في نشرات الإغاثة؟

لقد طال السبات. وتحت هذا السبات مرّت على الناس سنوات من الوعود الكاذبة، والوجوه المعادة، والمكونات المتصارعة، والدعم الذي لم يصل إلى المواطن، والسلطات التي لم تخجل من عجزها، والزعامات التي تحدثت باسم الناس ثم تركتهم في الحر والجوع والظلم والمرض.

ولهذا فإن الصيحة التي ندعو إليها ليست صرخة عابرة، بل بداية وعي وتنظيم. نريدها صيحة توقظ الضمير، ثم تتحول إلى إرادة، والإرادة إلى تواصل بين الصادقين، والتواصل إلى نواة، والنواة إلى إطار مجتمعي مستقل؛ يوثق المظالم، يحمي المبلغين، يكشف الفساد والفشل، وينقل المواطن من موقع الضحية الصامتة إلى موقع صاحب الحق المنظم.

ومن يستيقظ على هذه الصيحة، فليبدأ من نفسه أولًا: بنية صادقة لا تبحث عن منصب، ولا مال، ولا شهرة، ولا انتقام. ثم بإرادة لا تتراجع أمام الخوف أو اليأس. وبعد ذلك فليمد يده إلى من يثق بصدقهم ونزاهتهم، لا ليشكل زعامة جديدة، بل ليبدأ تواصلًا هادئًا بين الصادقين.

هذه هي الخطوة الأولى:

نية صادقة، إرادة ثابتة، تواصل بين الصادقين.

بعدها تأتي الخطوات العملية: مجموعة صغيرة تتفاهم، نواة نظيفة تتشكل، مبادئ تُكتب، مربعات مجتمعية تُبنى، شكاوى تُوثق، ملفات تُعد، وضغط سلمي منظم يجعل الفشل والفساد مكلفين على كل من يمارسهما أو يحميهما.

تبدأ الصيحة من عدن، لا لأنها وحدها المظلومة، بل لأنها قادرة أن تكون النموذج. تبدأ من الحي، من الشارع، من المربع، من انقطاع الكهرباء، من الماء الغائب، من الأرض المنهوبة، من الراتب الضائع، من القضاء المعطل، من المواطن الذي أُهين ولم يجد بابًا يطرقه.

قد لا يستيقظ الجميع من أول نداء. فالخوف المتراكم ثقيل، واليأس طويل، والموروث الذي جعل الناس ينتظرون غيرهم عميق. لكن كل يقظة كبرى تبدأ بقلة صادقة. تبدأ بمن يؤمنون أن الصمت لم يعد فضيلة، وأن الشكوى الفردية لم تعد تكفي، وأن المجتمع إذا لم ينظم صوته سيبقى صوته مبعثرًا بين أيدي من يتاجرون به.

إننا لا نطلب من الناس المستحيل. نطلب منهم أن يبدأوا بما يملكون: نية صافية، كلمة صادقة، وثيقة تحفظ حقًا، شهادة تكشف ظلمًا، تواصلًا مع إنسان نزيه، ومشاركة في إطار لا يسعى إلى سلطة، بل إلى كرامة المواطن.

هذه الصيحة إن صدقت، وإن حماها الصادقون من أمراض الماضي؛ من الزعامة، والمحاصصة، والتمويل المشبوه، والولاءات الضيقة، فإنها لن تبقى مقالًا أو نداء. ستصبح بداية يقظة مجتمعية، يعرف بعدها كل مسؤول، وكل مكون، وكل زعيم، وكل داعم خارجي، أن المواطن لم يعد غائبًا، وأن حقوق الناس لم تعد بلا سند، وأن الفشل والفساد لن يمرّا بصمت كما كانا يمران.

استيقظوا… فحقوقكم لن يحميها من أضاعها.

استيقظوا… فكرامتكم لا تسترد بالانتظار.

استيقظوا… فالوطن لا ينهض بالمتفرجين، بل بمجتمع يبدأ بالنية، ويتقوى بالإرادة، ويتحول بالتواصل الصادق إلى قوة منظمة لا تظلم ولا تخاف.

هذه ليست صيحة فناء، بل صيحة حياة.

وليكن من عدن أول النداء، ومن الصادقين أول الطريق.

* نائب وزير الخارجية الأسبق