موقع اليمن في الصراع الإيراني الأمريكي

> أمل العالم*

> تستعمل إيران الحوثيين في اليمن ضمن إستراتيجيتها للأمن القومي من أجل تعزيز أوراق الضغط التي تمتلكها في إدارة صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في المنطقة.

ظرف اقتحام السفارة الأميركية في طهران في ثمانينات القرن الماضي يختلف عن اقتحامها في بغداد قبل بضعة أسابيع. فقبل أربعين عاماً كانت الجمهورية الإسلامية في عنفوانها، وكان الشعار المرفوع "الموت لأمريكا"، أما اليوم فرغم تشابه حادثة اقتحام السفارة فإن الفاعل في الأولى كان واضحاً بينما في الثانية مستتراً، ومع ذلك، فإن النتائج ربما تكون متشابهة، وخلاصتها هي انعدام الثقة بين الجانبين، وتأزم العلاقة وتوترها ووصولها إلى حافة الحرب. ولأن إيران لا تريد حرباً مباشرة فإن الصراع بين البلدين بات يتخذ أشكالاً وأنماطاً مختلفة، قوامها الأساسي هو استخدام الوكلاء في مناطق النفوذ لإدارة هذا الصراع وتحقيق نتائجه المرجوة.

ولكي تنفِّذ إيران ذلك الهدف، هدف إدارة الصراع مع خصومها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية عبر وكلاء وحلفاء لها في المنطقة، فإن العامل الأيديولوجي يعتبر ركيزة من الركائز المهمة، حيث تعمل على توثيق علاقاتها بمجموعات تدين لها بالولاء والطاعة، انطلاقاً من نظرية الولي الفقيه، والولي هنا بالطبع هو الولي الفقيه الإيراني الذي هو وليُّ أمرِ المسلمين.

وفي هذا السياق، تُفهم علاقة إيران بالحوثيين في اليمن، ومبايعة الأخيرين للمرشد الأعلى، علي خامنئي، وحضور الحرس الثوري الإيراني في اليمن، وهو الحضور الذي دعَّم النفوذ الإيراني في هذا البلد، وجعل اليمن ورقة بيد إيران في صراعها مع الولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة، وهو ما تناقشه هذه الورقة، التي تسلط الضوء على النفوذ الإيراني في اليمن وكيفية استخدامه في الأزمة الإيرانية - الأميركية الراهنة، وتبعات ذلك على أمن واستقرار وحاضر ومستقبل هذا البلد العربي.

الحوثيون وإيران تحالف إستراتيجي
بدأت العلاقات الإيرانية - الحوثية بالتقارب الفكري والمذهبي، ثم ازدادت وضوحاً حينما اختار الحوثيون شعار الثورة الإسلامية الإيرانية "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل" شعاراً لحركتهم السياسية الدينية ثم وصلت العلاقة لمرحلة تقديم الدعم العسكري، وتوطدت أكثر مع ظهور الحوثيين كقوة صاعدة في فترة الثورة اليمنية وما بعدها، حيث استمر دعم الإيرانيين للحوثيين بالسلاح حتى بعد انخراطهم بالعملية السياسية بعد الثورة اليمنية. ففي يناير 2013، اعترضت المدمرة الأميركية "يو إس إس فاراغوت" قبالة ساحل اليمن سفينة جيهان 1 محملةً بالأسلحة وهي في طريقها للحوثيين، وفي مارس 2013، أعلنت السلطات اليمنية ضبط سفينة أسلحة إيرانية بالقرب من باب المندب كانت أيضاً تحمل أسلحة إيرانية للحوثيين، والخميس الماضي ذكر الجيش الأمريكي في بيان أن السفينة نورماندي التابعة للبحرية الأمريكية صادرت من على سفينة شراعية في بحر أسلحة يعتقد بأنها "من تصميم وتصنيع" إيراني تشمل أكثر من 150 صاروخاً موجهاً مضاداً للدبابات من طراز دهلاوية وهو تقليد إيراني للصاروخ الروسي كورنيت، بالإضافة إلى ثلاثة صواريخ إيرانية سطح جو وكذا أجهزة تصوير حراري ومكونات إيرانية لعتاد بحري وجوي مسير.

وعندما دخل الحوثيون صنعاء، وفرضوا سيطرتهم عليها، قال ممثل مدينة طهران في البرلمان الإيراني: "إنَّ صنعاء هي رابع عاصمة عربية تابعة لنا". بعد ذلك، كانت إيران الدولة الوحيدة التي تعاملت مع الحوثيين كسلطة تمثل اليمن، واستقبلتهم في طهران كمسؤولين رسميين، وأبرمت الاتفاقيات الثنائية معهم، وقامت بتسيير خطوط جوية مباشرة بين صنعاء وطهران بمعدل 14 رحلة أسبوعيّاً.

وبالرغم من ذلك، فإن إيران كانت تحرص باستمرار على إنكار وجود أي تحالف بينها وبين الحوثيين، وتحرص على التأكيد على أنها لا تقدِّم لهم أي دعم، وتحصر علاقتها بهم في إطار الدعم المعنوي، وشعارات المظلومية، ودفاعها عن المظلومين، ووقوفها في وجه الاستكبار.

ثم بدأ تغيُّرٌ ملحوظ في السلوك السياسي الإيراني منذ أغسطس 2019، حيث بدأ النظام الإيراني يخطو خطوات مشاهَدَة في طريق الاعتراف بالحوثيين كـ "حليف إستراتيجي"، ويتعامل معهم علانيةً، وفي تلك الأثناء زار وفد من أنصار الله طهران، والتقى بوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، ثم بالمرشد الأعلى، السيد علي خامنئي، وقام مبايعته. وفي خبر على الموقع الرسمي للمرشد الإيراني ذكر أنَّ "وفد جماعة أنصار الله التقى المرشد الأعلى حاملين رسالة وسلاماً من زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، للمرشد الإيراني، وأنهم يرون في ولايته امتداداً لولاية النبي عليه الصلاة والسلام وولاية علي بن أبي طالب". وفي الأول من سبتمبر 2019، تسلَّم وزير الخارجية الإيراني أوراق اعتماد إبراهيم الديلمي سفيراً لليمن، وتم تسليمه مقرَّ البعثة الدبلوماسية اليمنية في طهران، في مخالفة لقرار مجلس الأمن رقم 2216 للعام 2014 الذي ينص على عدم شرعية الانقلاب الحوثي. وفي أكتوبر 2019، أقرَّت إيران لأول مرة بتقديم الحرس الثوري دعماً استشاريّاً وفكريّاً للحوثيين.

وفي اللقاء الذي جمع بين سفير الحوثيين في طهران، إبراهيم الديلمي، ووزير الدفاع الإيراني، أمير حاتمي، في 22 ديسمبر 2019، تم توقيع اتفاقية عسكرية وصفت بالرسمية. وفي مقابلة مع الديلمي أجرتها معه قناة العالَم الإيرانية وصف قرار إيران بتعيين سفير لليمن في طهران بالقرار الشجاع، وأنه جاء بناءً على القراءة الاستشرافية الإيرانية للمشهد اليمني المستقبلي.

وبعد هذه التطورات، بدأ يظهر حديث -وإن كان في المرحلة الحالية لا يزال خافتًا- حول ما يقوم به فيلق القدس من دور مؤثر في الحرب الدائرة باليمن.

ويمكن القول: إنَّ المناخ السياسي السائد في إيران بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية قد أسهم في التوجه الإيراني نحو صياغة تحالف إستراتيجي علني مع الحوثيين، على غرار التحالف المعلن مع حزب الله اللبناني، وذلك -كما سبق القول- من أجل أن تمتلك إيران ورقة في الملف اليمني تساعدها في إدارة الضغوط التي تواجهها على الصعيد الدولي، ولضمان دور مستقبلي واضح في اليمن.

وعلى الأرجح، فإن التحالف الإستراتيجي الإيراني- الحوثي سيخطو خطوات واسعة في المرحلة القادمة، خاصة مع مؤشرات عن تنامي صعود التيار الأصولي المتشدد في مواقع صنع القرار الإيراني بعد تعثر الاتفاق النووي، ورفض مجلس صيانة الدستور أهلية مرشحين من التيار الإصلاحي، ما يدعم توجهات الحرس الثوري بالعمل خارج إيران.

اليمن والأزمة الإيرانية الأمريكية
حاجة إيران الملحَّة في الاستناد إلى قوى أخرى لمواجهة الضغوط الدولية المفروضة عليها تدفعها نحو الحوثيين، وفي هذا الإطار يوفر الحوثيون مزايا عديدة لها، فهم بعيدون جغرافيّاً عنها وقريبون من حلفاء أميركا في الخليج العربي، وهم الأقل كلفة مقارنة بالنتائج الإستراتيجية المُتحصَّلة منهم، كما أن النفوذ الإيراني في اليمن لا يتقاطع مع قوى دولية أخرى هناك كالنفوذ الروسي في سوريا على سبيل المثال، بالإضافة إلى تمتع الحوثيين باستقرار أكبر مقارنةً بحلفاء إيران في العراق وحزب الله في لبنان.

تداعيات الأزمة الإيرانية- الأمريكية على اليمن:

1 - الورقة الحوثية
لم يكن رد الحرس الثوري الإيراني على مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، على يد القوات الأميركية مطلع العام الجاري كافياً لامتصاص السخط الشعبي والذي زاد من شدته الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعيشها المجتمع، ولذلك أكدت التصريحات آنذاك أن هذا الرد مجرد صفعة أولى افتتحت طريق الانتقام الصعب وستلحقها صفعات أخرى، كما أرسلت رسائل تفيد بأنَّ حلفاءها أو ما تسميهم بمحور المقاومة سيشاركون في الرد باعتباره قائداً لهم جميعاً، وقال المتحدث الرسمي للحرس الثوري معلقاً على مقتل سليماني: "إن الحرس الثوري بدأ فصلًا جديداً، وجبهة المقاومة تقف عند نقطة انطلاق جديدة"، وكان عَلَمُ أنصار الله (الحوثيين) ضمن الأعلام التي اصطفت خلف قائد القوات الجوية، حاجى زاده، عند الحديث عن الضربة الإيرانية لقاعدة "عين الأسد" التي وجهت إليها إيران بعض صواريخها، الأمر الذي اعتبرته وسائل إعلام إيرانية ذا مغزى، حيث جاء ترتيب علم أنصار الله الحوثيين ثانياً بعد علم حزب الله اللبناني، الحليف الأول للنظام الإيراني.. وسواء أكان الترتيب التسلسلي للأعلام له مدلول ويراد به إرسال رسائل تحذيرية فهو بكل الأحوال يدل على أنَّ الحوثيين يوجدون في أول قائمة النظام الإيراني لاستخدامهم في صراعه مع الولايات المتحدة.

أعلنت أميركا، في 5 ديسمبر 2019، عن جائزة تبلغ 15 مليون دولار مقابل معلومات تدل على مكان القائد الإيراني رفيع المستوى في الحرس الثوري، عبد الرضا شهلائي، الذي يعمل في اليمن، والذي لديه سوابق باستهداف الأميركيين وحلفاء أميركا في المنطقة، وقد أعلنت واشنطن استهدافه بالتزامن مع استهداف سليماني ولكن فشلت العملية. إنَّ وجود قائد من الحرس الثوري بهذا الحجم لإرساء النفوذ الإيراني في اليمن يشير إلى أهمية هذا البلد بالنسبة لإيران في المنطقة، وإلى حرصها على الإمساك بزمام الأمور هناك.

الجدير بالذكر أنَّ قائد فيلق القدس الجديد بالحرس الثوري، إسماعيل قاآني، هو من تحدَّث عن صواريخ لدى أنصار الله يصل مداها إلى 400 كلم وأنَّ إيران ستستمر في دعمهم. وهنا، لا يمكن إغفال الموقع الإستراتيجي لليمن والذي يسمح بتهديد الملاحة في البحر الأحمر، مع العلم بأن للحوثيين سوابق عديدة في هذا الأمر خلال السنوات الماضية، فضلاً عن قربهم من منشآت حيوية في الخليج العربي. وفي هذا السياق، طالب برلماني إيراني بـ "رفع القدرات العسكرية للحوثيين والاستفادة من باب المندب". وعلى ما يبدو، فإن الحوثيين كانوا قد بدأوا فعلاً الاستعداد لذلك بالتزامن مع التصعيد الإيراني في العراق، ففي 30 ديسمبر 2019، أعلن الحوثيون على لسان المتحدث العسكري باسمهم أنهم وسَّعوا أهدافهم الهجومية لتشمل 9 مراكز حيوية وحساسة، 6 منها في السعودية، و3 في الإمارات العربية المتحدة، وجاء الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد، يوم 31 ديسمبر، ليطرح سؤالاً حول ما إن كانت هذه التصعيدات المتزامنة مجرد رسائل لاستعراض القوة والترهيب أم تتعداها خاصة مع صدور تقرير أممي يقول: إنَّ الحوثيين استحوذوا في 2019 على أسلحة نوعية مشابهة لأسلحة إيرانية، وباتوا يستخدمون نوعاً جديداً من الطائرات دون طيار، ونموذجاً جديداً من صواريخ كروز البرية.

وبعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن صفقة القرن، تزايدت فرص تنفيذ الحوثيين ضربات قد تقررها إيران بهدف خلط الأوراق تحت ستار محور جبهة المقاومة، وربما في هذا الإطار يُفهم تصريح نائب قائد الحرس الثوري الإيراني لقناة المسيرة التابعة للحوثيين حينما قال: "إنَّ الحضور الشعبي اليمني الكبير في صنعاء، وباقي المدن اليمنية، لرفض صفقة ترامب، يضع اليمن اليوم في الخط الأول للمقاومة والدفاع عن القضية الفلسطينية".

وبالعودة إلى منتصف سبتمبر 2019، نجد أنَّ الحوثيين تبنّوا ضربات بطائرات دون طيار استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو في محافظة بقيق، ونقلت قناة المسيرة الحوثية وقتها أنَّ العملية أُطلق عليها اسم "توازن الردع الثانية"، وقالت: إن "العملية هي إحدى أكبر العمليات التي تنفذها قواتنا في العمق السعودي"، والحقيقة أنه ما زالت هناك شكوك قوية تحوم حول فيما إذا كان الحوثيون فعلاً هم من نفذوا الضربة أو قاموا فقط بتبنيها وأنَّ جهة أخرى هي من نفذتها، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك التقرير الأممي الذي يلمح إلى أنه "من غير المرجح أن يكون الحوثيون هم المسؤولون عن تلك الهجمات التي طالت أرامكو".

2 - سلام اليمن على إيقاع العلاقات الإيرانية - الأمريكية
تخلل سنوات الحرب في اليمن عدد من محاولات ومساعي إحلال السلام، منها تلك المشاورات التي جرت بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليّاً والتي جرت بجنيف في يونيو 2015 ثم مشاورات بيل السويسرية في ديسمبر 2015، ومفاوضات الكويت التي استمرت ما يقارب ثلاثة أشهر وانتهت في أغسطس 2016، وفي كل الجولات سابقة الذكر كان رفض الحوثيين الانسحاب من المدن التي أخضعوها لسلطتهم، وتسليم الأسلحة الثقيلة التي بحوزتهم للدولة، سبباً في فشل المفاوضات، وعدم التوصل إلى اتفاق. ثم جاءت مفاوضات ستوكهولم، في ديسمبر 2018، والتي أسفرت عن "اتفاقية ستوكهولم"، والتي ساعد في إنجازها آنذاك أنَّ الحوثيين لم يمارسوا التشدد الذي اعتدوه لأنَّ حليفتهم إيران كانت حينها قلقة على مصير اتفاقها النووي بعد إعلان الرئيس الأميركي، ترامب، انسحاب بلاده منه، في مايو 2018، لكنها كانت لا تزال تعلِّق الآمال على الدول الأوروبية، وعلى الأرجح فإن طهران دفعت الحوثيين لقبول اتفاق ستوكهولم ثم المماطلة والالتفاف في تنفيذه، وهو ما حدث بالفعل.

ولكن، وبعد أن تأكدت إيران من ضعف الأوروبيين عن الوقوف ضد الولايات المتحدة فيما يتعلق بالاتفاق النووي، وبعد مقتل سليماني، أعلنت عن تقليص التزاماتها تجاه نسب وحجم تخصيب اليورانيوم، وهذا يعني أنها تحركت من مربع الدبلوماسية في هذا الملف إلى مربع الفعل، وكان طبيعيّاً أن تنتقل أيضاً أدواتها في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون، بعيداً عن الحلول السياسية وفقاً لمتطلبات المصالح الإيرانية، وبالاتجاه الذي تستطيع فيه إيران الاستفادة منهم كأوراق ضغط، وكانت النتيجة قيام الحوثيين بالتصعيد العسكري على الجبهات الداخلية اليمنية، واستمر التصعيد على نطاق أوسع بشكل نسف اتفاق ستوكهولم للسلام. وعلى الأغلب، فإنَّ الحوثيين سوف يستمرون في التصعيد في ظل الأوضاع الراهنة ما يعني تضاؤل فرص إحلال السلام في اليمن خلال المستقبل المنظور.

دور اليمن في إدارة إيران أزمتها
لم تُلق الأزمة الإيرانية - الأميركية بظلالها على الداخل الإيراني فحسب، بل وعلى حلفاء إيران في الخارج أيضاً، حيث أحرج الاغتيال الأميركي لسليماني النظام الإيراني، وعلى وجه التحديد الحرس الثوري، أمام أتباعه، وضعفت مقولة استخدام الحضور الإيراني في الخارج، ممثلاً بأذرع الحرس الثوري، لحماية العتبات الدينية المقدسة، ومنع داعش من استهداف الشيعة، ودعم الأقليات الشيعية، الأمر الذي دفع الحرس الثوري في المقابل إلى بعث الرسائل المُطَمئِنة لهؤلاء الحلفاء والتي مفادها أن إيران لا تزال قوية وقادرة على مواجهة أميركا، وأنها لا تزال حريصة على إبقاء جذوة الأيديولوجية حية في قلوبهم، وقد استُخدم اليمن والحوثيون في ذلك كما يُفهم مثلاً من تصرح المستشار الإعلامي للحرس الثوري في مراسم عزاء سليماني في مدينة كاشان الذي قال فيه: "بشهادة قاسم سليماني قد تهيأت الظروف لإخراج أميركا، وإزالة إسرائيل.. وإنَّ اليمن -التي يوجد فيها أكثر جنود إمام الزمان- هي في حالة الاستعداد".

وقد قام الحرس الثوري بإرسال رسائل تطمين للداخل حاول من خلالها التأكيد على أنه قوي بما يكفي لردع أميركا عن استهداف العمق الإيراني، وأنَّ الإنفاق على حلفاء إيران بالخارج لم يذهب سُدى، وإيضاح أنَّ العلاقات مع هؤلاء الحلفاء -بمن فيهم الحوثيون- هي امتداد للقوة الإيرانية. وقد تم بالفعل توظيف التبعية الحوثية في هذا الجانب من خلال الإيحاء إعلاميّاً بغضب الشارع اليمني لمقتل سليماني، وتضامنه مع إيران، وتضخيم أعداد المشاركين في المسيرات المنددة بمقتله، والحديث عن رفع صوره في شوارع صنعاء، وعن زيارة سفير الحوثيين في طهران عائلة سليماني وإهدائهم خنجراً يمنيّاً.

خاتمة
غلب طابع العداء على العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والإدارات الأميركية المتعاقبة، ولكن في الأزمة الراهنة التي تفجرت عقب مقتل سليماني ارتفعت احتمالات الردود العسكرية، وأتت بالتزامن مع إضافة الحرس الثوري الحوثيين إلى قائمة حلفائه المخلصين، ما جعل اليمن في صلب الأزمة، خاصة أن الحوثيين والإيرانيين يقتربون من صياغة الشكل النهائي للتحالف الإستراتيجي بينهما، حيث تتجه إيران لعقد مثل هذا التحالف بطريقة رسمية، على غرار تحالفها مع حزب الله اللبناني. وبالمقابل، فقد تطلب ذلك من الحوثيين إثبات ولائهم بشكل متزايد لإيران، وذلك من خلال تنفيذ ضربات موجعة للنفوذ الأميركي وحلفائه في المنطقة، تفوق ما قام به الحوثيون حتى الآن، لاسيما مع توافر غطاء مناسب للقيام بذلك نيابة عن إيران، وتحت إشراف الحرس الثوري، وبوجود شهلائي في اليمن، وتحت لافتة محور جبهة المقاومة، لاسيما بعد اعتبار زعيم الحوثيين، عبدالملك الحوثي، سليماني شهيد كل الأمة الإسلامية، وقائد محور المقاومة، وإعلانه أنهم ماضون على دربه حتى تحرير القدس. وقد جاءت صفقة القرن لتعزز إمكانية خلط الأوراق بعمل عسكري.

كما جاءت الأزمة الإيرانية - الأميركية كذلك في ظل توجه إيراني مسبق لعرقلة أية عملية سلام في اليمن ما لم تكن لاعباً فاعلاً مباشراً في صياغتها.. وفي الوقت نفسه، يستمد الحوثيون قوتهم بشكل أو بآخر من إيران لذلك يعلمون أن دخولهم في مفاوضات قبل أن تستعيد حليفتهم القدرة مجدداً على الإمساك بزمام الأمور يضائل من فرص توصلهم لاتفاق يناسب توقعاتهم قبل الأزمة، لذلك لا خيار لهم سوى المضي خلف إيران، وكلما قوي التحالف الإيراني- الحوثي زادت تداعياته السلبية على اليمن.

*"باحثة يمنية متخصصة في العلاقات الدولية - مركز الجزيرة للدراسات".

> أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى