الباشراحيل الكبير في ذكرى ميلاده العطرة

د. هشام محسن السقاف

محمد علي باشراحيل
محمد علي باشراحيل
تنفست عدن صعداء ما بعد الحرب الكونية الأولى 14 - 1918م، وقد كان لها نصيب من الحرب يسير، ولكنه كفيل بتقليب أوضاعها في أكف التغيير كمطلب حتمي، في اجتماعيات الحياة وفي التعليم والاقتصاد. وسوف يبرز التاريخ تنامي حظ المدينة من المنتديات الأدبية والثقافية وستتجلى الحالة عن رجال من الوزن الكبير، القمندان الأمير العبدلي، ولقمان، وغانم الأب، والأصنج، والشيخ عبدالله، والعبادي، وتطور نسبي في التعليم النظامي، وحضور (عدن) كحاضرة في منطقة ترتع في البداوة في ذلك الحين، فتلقفت إصدارات العواصم الثقافية: القاهرة، بيروت ودمشق، واستقبلت وجوه الثقافة والسياسية والأدب ممن يشار إليهم بالبنان؛ أمين الريحاني وعبدالعزيز الثعالبي وغيرهم، وتلاقح معطى الإبداع هنا بما يتفاعل في بلاد الشمال العربي مصر والشام والعراق، فنرى وفد لحج الأدبي يشارك في مهرجان تتويج أحمد شوقي أميراً للشعراء مع وفود العرب الأخرى في القاهرة سنة 1927م ويتفاعل الأمير أحمد فضل القمندان شعراً مع وجهاء مصر ذاكراً شوقي في قصيدته المغناة على "نغم يا طير كف النياح"، وقد أرسلها للسيد محمد الغنيمي التفتازاني في مصر في ذي الحجة 1349هـ، ومطلعها:

يا موز صيني طري

يا دوم امداوار

يا فل يا جلنار

خلص فؤادي من النار

ماذا عسى في مديحك تنطق الشعار

حديث كل الفخار

حتى الصفي شوقي احتار

سلم لنا على الغنيمي السيد المختار

قبل أكفه مرار

الوافي الصحبة البار

سلام ما غردت ورقاء على الأشجار

وما تغنى الهزار

وبلغه حبي الحار

هذا شأنها عدن بين الحربين العالميتين بعجالة الكتابة الصحفية وليس التاريخية، يبرز في خضم أيامها الأخيرة صدور صحيفة "فتاة الجزيرة" كصحيفة ليبرالية بمواصفات العصر عام 1940م، أما تجليات ما بعد الحرب الثانية (39 - 1945م)، وقد كانت بريطانيا العظمى في عين العاصفة، فإن مكانة عدن تتعاظم لعوامل جيوبوليتيكية واقتصادية، خروج الهند "درة التاج البريطاني" من الدائرة الاستعمارية لبريطانيا، مما يضع عدن في قلب الاحتياج الحيوي الإستراتيجي للإمبراطورية العجوز، مما حتم بناء مصفاة النفط والاعتناء بالخدمات اللوجستية الجوية والبحرية في عدن، ما أدى إلى الظهور المبكر لطبقة عمالية مترافقاً مع صعود المد الثوري التحرري العربي بقيادة مصر عبدالناصر، في ظل انحسار حقبة الاستعمار وتغير ميزان القوة العالمي بصعود لاعبين جديدين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وظهور منظمات المجتمع المدني بما فيها النسوية ونشوء الأحزاب والتنظيمات السياسية بدءاً من حزب رابطة أبناء الجنوب عام 1951م، والذي خرج من عباءته زعماء قادمون للجبهة القومية وماركسيون وليبراليون وبعث وغيرهم.

في هذه الأجواء، نشأ الشاب محمد علي باشراحيل (19 - 1991م)، ومن هنا يمكن تتبع صعود نجم الأستاذ المؤسس، رحمة الله عليه.

أخذ نصيباً من عقد العشرينيات تعليماً تقليدياً وهو فتى يافعٌ في أسرة عريقة بينها وبين الغنى بونٌ شاسعٌ، فاعتمد ذاتياً على نفسه في التعلم والتثقيف. وباكراً يخوض غمار الحياة ومصاعبها بحثاً عن الذات فكان كالناحت في الصخر، يتجلى ذلك في عمله ومن خلاله الصعود في سلم الوظائف بكفاءة نادرة، ومن إلمامه باللغة الإنجليزية كأحسن ما يكون الإلمام نطقاً وكتابة بجهده الذاتي ليكون من أبرز أساطينها في عدن معتمداً على الصحف والمجلات الإنجليزية، مما يعني، أيضاً، اقترابه مبكراً من لغة الصحافة وأساليب الكتابة الصحفية وهو ما عكس نفسه في إصداره الصحفي الأول باللغة الإنجليزية صحيفة "الرقيب" ثم صدور «الأيام» الغراء في العام 1958م وما أحدثته من تطوير في المحتوى الصحفي في عدن بالتزامات مهنية عالية التقنية في استقبال الخبر الصحفي وإعادة صياغته وتصديره في الصفحات بتجرد ومصداقية مما ميز «الأيام» كصحيفة خبرية بالأساس. وإفساح مجال للرأي دون مساس لاشتراطات الكتابة الصحفية كالتعرض لكرامة الآخرين أو خدش للحياء أو التعرض للخصوصيات أو التسفيه أو الإثارة لمجرد الإثارة.. إلخ. وهو مسلك سار عليه الأب المؤسس وطبع به طبائع هذه الصحيفة وسارت عليه أجيال الباشراحيل الثلاثة في عمل صحيفتهم الأهلية حتى اليوم.

ولكن لا يعني ذلك، بحال من الأحوال، الحياد في قضايا الوطن أو التهاون في حقوق المواطنين أو الرضوخ لأوامر السلطات، مما جعل من «الأيام» في عين عاصفة الأحداث بالأمس الاستعماري أو المراحل "الوطنية"، فوقار الصحيفة أكسبها شعبية عارمة يخيف السلطات سواءً على عهد الأب المؤسس، حيث تعرضت للإغلاق و للمحاكمات وفق قانون المطبوعات الجائر كما صنفه أ. عمر الجاوي في كتابه "الصحافة النقابية في عدن"، فبعد أن اكتسحت «الأيام» شارع الصحافة بخطها الوطني القومي بملامح الفكر السياسي للأستاذ محمد علي باشراحيل، بتجلياته الوطنية والعروبية كما أظهرته لنا كتاباته الثرية في هذا الجانب والتي لا ينكرها إلا جاحد.

يجعلها ذلك عرضة لما أشرنا إليه بموجب القانون السائد، ولو كانت «الأيام» مجهولة النسب ووريقات صفراء في أكشاك البائعين يلعب بها الريح، لما أعيرت كل ذلك الاهتمام والعنت من الإدارة البريطانية في عدن.
أما في الزمن "الوطني"، فقد أغلقت ثلاث وعشرين سنة من أولئك الحكام الوطنيين الجدد، الذي لم يكن خط الصحيفة الباشراحيلية إلا الأقرب إلى نحورهم، وبسبب ذلك تلقت دارها قنبلة انفجرت على سورها.

أما في ظل الحكم الذي يدّعي الوحدوية بحرب احتلاله لعدن في 1994م، فإنه لم يسخر بنود قانون الصحافة الجائر لصالحه فحسب، ليكبت صوت «الأيام»، بل فقس "قضاة" مسخ ومدعين أشباههم، وصحفاً صفراء ليس لها عمل سوى مهاجمة «الأيام» والتعرض لأهلها والخوض في المحرمات كفعل يربأ أن يقوم به لقيط في شارع.
ثم اختتم فصول إجرامه بمحاصرة دار «الأيام» في صنعاء وضرب بيت العميد المؤسس في عدن بالأسلحة المتوسطة والخفيفة واعتقال الأستاذ الثائر هشام محمد علي باشراحيل، رحمة الله الواسعة عليه، ونجليه هاني ومحمد. وبذلك نرى المستعمر المحلى أعلى كعباً من الأجنبي مصداقاً لقول الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

كانت عدن محور اهتمام الباشراحيل الأب، إبان عمله الإداري والسياسي وفي مجلس بلدية عدن، أو من خلال صفحات «الأيام» الأولى (1958 - 1967م) دون إغفال لمحميات الجنوب كلها شرقية وغربية، وتغطي الصحيفة أخبار اليمن وتواكب مسيرته مع ثورة سبتمبر 1962م، وكان الباشراحيل قطباً مرحباً به من سلطة الثورة في احتفالها الأول عام 1963م.

ولم يأل الباشراحيل جهداً في تتبع أخبار وأعمال الزعيم الخالد جمال عبدالناصر ومحطات الثورة المصرية الخالدة، حيث أعادت الصحيفة خطابات الزعيم رغم صعوبة مثل ذلك العمل في تلك الأيام.
والمتابع لأسلوب كتابة الأب المؤسس، سيجده أقرب صلة ورحماً إلى أسلوب الأستاذ محمد حسنين هيكل، وهو أسلوب "السهل الممتنع"، مما يجعل من الأستاذ محمد علي باشراحيل، كاتباً في هيئة صحافي، وصحافياً في هيئة كاتب وهي ميزة قلما توفرت في شخص واحد.

وقد واكبت «الأيام» حدث ثورة أكتوبر 1963م بتحديد خط سيرها الصحفي إلى جانب الثورة واستقلال الجنوب حتى نيل الاستقلال في 30 نوفمبر عام 1967م، لينتظر الأستاذ الكبير محمد علي باشراحيل، عقدين ونيف لتعاود «الأيام» صدورها الثاني بتعهد حمل رايتها الصحفية الأستاذين هشام وتمام محمد علي باشراحيل، والأحفاد من وراءهما سيراً على ذات النهج الذي اختطه الأب المؤسس محمد علي باشراحيل، رحمة الله عليه.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى