محاكاة الدعوى الجزائية المتخصصة.. ما هي الرسائل المُرَاد توجيهها؟!

المحامي جسّار مكّاوي

قبل الولوج إلى الرسائل الموجهّة بين مقعد التفاوض وتقديم الدعوى، دعونا نعرّج إلى مفهوم التفاوض أولاً:

التفاوض هو موقف تعبيري حركي قائم بين طرفين أو أكثر حول قضية من القضايا يتم من خلاله عرض وتبادل وتقريب ومواءمة وتكييف وُجهَات النظر واستخدام كافة أساليب الإقناع للحفاظ على المصالح القائمة أو للحصول على منفعة جديدة بإجبار الخصم للقيام بعمل معيّن أو الامتناع عن عمل معيّن في إطار علاقة الارتباط بين أطراف العملية التفاوضية تجاه أنفسهم أو تجاه الغير.

أما بالنسبة لمفهوم الدعوى كإجراء نقول بالآتي:
الاستدلال الجنائي: هو تمهيد أو تحضير يسبق تحريك الدعوى على المتهم يقوم به رجال الضبط القضائي (جهاز الشرطة) وله صفة شبه إدارية ولكنه يختلف عن التحقيق الذي يعتبر مرحلة جوهرية من مراحل الإجراءات الجنائية، فلا يجوز تطبيق محضر الاستدلال على أنه دليل يمكن الاستناد عليه، ولا يحرك الدعوى أي إجراء من إجراءات الاستدلال عكس التحقيق الذي يحرك الدعوى بما يترتّب عليها من آثار، كما أن مرحلة الدفاع لا تجوز أثناء الاستدلال لأن الشخص الواقع محل الاستدلال لا يعدو أن يكون متّهماً عندما يكون في التحقيق لأن ما ينتج عن أعمال الاستدلال يُّعدّ دليلاً قانونياً يمكن الاستناد عليه.

لقد توجهّت كل من النيابتين الجزائيتين في كل من صنعاء وعدن بتقديم دعويين كلاًّ بحسب نطاقه وعبر محكمتين متخصّصتين للنظر في الجرائم المرتكبة (و/ أو) التي ارتكبت في نطاق أيضا كل حكومة هذا، مع العلم أن كليهما اتخذ نفس القانون الإجرائي والعقوبات المقررة للجرائم المنصوص عليها في قرار كل اتهام على حده!!. ولكن هل تلك الإجراءات سليمة برفع الدعوى وتقديمها كما هي دون الالتفات إلى إجراءات كل طرف وكيف تمّ تكييفهما وبإجراءات صحيحة قانونا في ظل التماهي والتحاور والتفاوض الذي يسير عليه كل طرف على حِدَه وبرقابة دولية؟!!

أسئلة كثيرة تُثَار بين جَنبَات العديد من الزملاء القانونيين وكذلك المُراقبين ودلالتها في توقيت كل طرف من الأطراف.. نفس الإصدار الذي كان نتيجة حرب صيف عام 1994م، عندما ألتجأ المخلوع علي عبدالله صالح للمحكمة وأدار فصلا من فصول المعركة ليٍتَماشَى قانوناً مع أدوات الحرب المفرُوضة وانتزع بِفَرض القوّة ولكن باختلاف بعض المعايير التي فُرضت في حرب عام 2015م، وتمّ التدّخل لصالح طرف الشرعية وحمايةً لمصالح الدول ودرءاً لأي مخاطر مُحتملة في حال تغيّرت موازين القوى لصالح الدولة الفارسية في المنطقة وهو أمر غير مقبول ألبتّة. ومن الملاحظ أن قرار الاتهام الصادر من جهة الشرعية جاء مفتقرا لأبسط الإجراءات التي يجب الأخذ بها دون استعجال، بل جاء فقط لتحويل الكرة في ملعب الآخر ودحرجتها لمجرد كسب الوقت ليس إلا. افتقر الاتهام لعدة عوامل، منها أنه جاء مشوبا بالعيب الإجرائي والمهم، والذي أشار أن محاكمة المتهمين في قرار الاتهام ك (ك.. فارين من وجه العدالة) وهو من الأخطاء القانونية المعيبة التي يشوبها القصور، وبالتالي انعدام الحكم القضائي في مواجهتهم. كما افتقر قرار الاتهام كذلك إلى عدم الأخذ بنصوص وأحكام (الدستور)، فهو لم يُلغَ ولا توجد هيئات رقابية كمجلس النواب ليمارس مهامه التشريعية في تعديل أو إلغاء مادة أو نص قانوني من تشريع معيّن. على الرغم من أن الدستور يبيّن صلاحيات رئيس الدولة ولكنّه اقتصر على عصيان الدولة وتغافل عن دور الرئيس وإبراز صلاحياته الموجبة دستوريا دون نزاع مثلا (تشكيل مجلس دفاع وطني وبمشاركة موّسعة). كما أن قرار الاتهام يزعم أنّه حقّق قفزة نوعية كبيرة من خلال إصداره ذاك بحق كل طرف وإبانته للأفعال المخالفة بموجب أحكام قانون العقوبات والجرائم وجرائم التقطّع والخطف وكذا إلى قانون الإجراءات الجزائية والتي حدّدت (مواجهة المتهم الفار أثناء السّير في نظر الدعوى نفسها). فهل سيتصّدّر المشهد أحكام العفو الشامل وإيقاف التنفيذ بحق آخرين، واتساقا مع ذلك فقد حدد القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية قيود رفع الدعوى الجزائية في المادة (29) منه الآتي نصّه: "ينقضي الحق في الشكوى فيما هو منصوص عليه في المادة (27) بعد مُضّي أربعة أشهر من يوم عِلم المجني عليه بالجريمة أو بارتكابها أو زوال العُذر القهري الذي حال دون تقديم الشكوى ويسقط الحق في الشكوى بموت المجني عليه"، والمادة التي تليها (30) توضح وبجلاء التالي: "في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها رفع الدعوى الجزائية تقديم شكوى، لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد تقديم هذه الشكوى". ومع أنّ هناك أفعالا ارتكبت وتُرتكًب باسم الدفاع عن موقف كل طرف ومخالفة للعديد من الاتفاقيات والقرارات الدولية التي تمثّلها اليمن كدولة واقعة تحت البند السابع ولها مقرر خاص هو السيد جريفيثس المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والذي له العديد من الجولات والمفاوضات مع جميع الأطراف وله إحاطة أسبوعية خاصة يشرح ومن خلالها مواقف الأطراف وسعيهم نحو تثيبت الاتفاق والأطر الذي تسير عليه وما توصّلوا إليه خلال فترات متعاقبة. كما يجب أن أشير هنا إلى أن قانون الجرائم والعقوبات العسكرية قد أفصح وبيّن في مواده عن مهمة المدعي العام العسكري في بيان عدة جرائم مخالفة مقرونة بالعقوبات المفردة وباعتبار رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. كل تلك الحقائق التي افتقر لها قرار الاتهام الصادر من الشرعية كرئيس وحكومة معترف بها دوليا، كان المنوط بها تقرير المصلحة العامة في أوسع صورها دون التضييق في تشكيل النصوص من قانون الجرائم والعقوبات اليمني. لذلك جاء قاصرا مشوبا بالعيوب الكثيرة والتي توضح بما لا يدع مجالا للتأويل أن هناك أحكاما شكلية سُتعلن كتحصيل حاصل وسَتكون من نتائجها بسبب القصور المفروض بشكل جلِي والتي ستخرج بفضاء سلام لأطرافه كلا بحسب نطاقِه. وعند مراجعة بعض القوانين مثلا كالقانون رقم (6) لسنة 1990م بشأن الجنسية اليمنية وفي المادة (18) الفقرة (د) الآتي نصّه:

"إذا توافرت الدلائل لدى الجهات المختصة على قيامه بالترويج لمبادئ من شأنها تقويض النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي في البلاد أو على انتمائه إلى هيئة سياسية أجنبية أو على قيامه بمحاولة القيام بأي عمل يعد خطرا على أمن الدولة وسلامة الوطن".
وكذلك ما ذهبت إليه المادة التي تليها من ذات القانون (19) بفقراتها (أ، ب، ج، د) فيتم سحب الجنسية اليمنية ممن اكتسبها.

ولا ننسى التعويضات المدنية التي يجب أن تكون حاضرة وتكون قيد المطالبة بها من النظام الإيراني وأعوانه.
يفترض بقرار الاتهام أن يكون بحسب العبارة التالية: سرعة ضبط وإحضار المتهمين الفارين من وجه العدالة لمحاكمتهم وفقا لأصول المحاكمات الجزائية.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى