محادثات الرياض.. الشراكة لا تعني نهاية مشروع الاستقلال

كتب/المراقب السياسي

هل تنجح قوى الشرعية بتكرار سيناريو الحوار الوطني لتفكيك الكيان الجنوبي؟
> ساد لغط كبير في الأسبوع الماضي حول ما يجري في الرياض، وساهم في انتشار هذا اللغط السرية المطبقة التي تلف المفاوضات في الرياض، وعدم توفر معلومات للعامة؛ مما شجع الكثيرين على ترويج أخبار ومعلومات مفبركة لا تمت للحقيقة بصله.

إن النشر في مثل هذا الوضع الشديد الْخُطَورة قد يعطل أكثر مما يساعد، وعلى الجميع أن يدركوا أن التفاوض مهما طال أفضل من الحرب.
الحرب فيها غالب ومغلوب، أما التفاوض السياسي، ففيه معارك تفضي إلى أفضل المتاح الموجود في الوقت الحاضر، ويعد أنجح الحلول هو أبغضها للجميع، فهذا الحل البغيض يراعي مصالح الجميع، وهو مما يتعارض مع الأنانية المزروعة في نفوس المفاوضين التي تحاول الاستئثار بكل شيء على حساب الجميع.

ما يجري في الرياض هو اتفاق شراكة في الحكم سيجعل المجلس الانتقالي في موقع سلطة سياسية، ولا يتعارض هذا الأمر مع سعي المجلس للاستقلال، بل هو الخطوة الصحيحة والأولى في هذا الاتجاه.

الأطراف اليمنية تلاعبت في العام 2013 على موضوع القضية الجنوبية عبر تقسيم حصة الجنوب بين جنوبيين في الحراك وجنوبيي السلطة وجنوبيين أُتي بهم كمستقلين، وكان الهدف تفكيك الكتلة الجنوبية في الحوار؛ فكانت النتيجة أن انتهي الحوار دون التوصل إلى حل القضية الجنوبية، ثم تم تجريب بقية مخرجات الحوار الوطني، فكان ما وصلت إليه البلاد اليوم هو النتيجة الطبيعية لذلك التلاعب الذي تحاول كل الأطراف السياسية المنضوية تحت غطاء الشرعية الرقص عليه. ويجب على المفاوض الجنوبي اليوم أن لا يسمح بتكرار تلك السياسة في 2020م، وعلى الجنوبيين كافة، في الداخل والخارج، التكاتف مع هم في الرياض من الجنوبيين الموجودين كأطراف قوية فاعلة على الأرض.

إذا عدنا إلى الثلاث سنوات الماضية فقط، فسنجد أن الجنوبيين قد حققوا الكثير على المشهد العسكري، وحققوا انتصارات كبيرة مدموغة بدماء شهداء الجنوب الأبرار، أما على المشهد السياسي، فالمشهد مختلف، فالجنوبيون كانوا دائما في وضع الدفاع حتى أغسطس الماضي، عندما تبدل الوضع، واصبحوا يتقدمون خطوات إلى الأمام في المشهد السياسي.

اتفاق الرياض إن لم ينفذ فرض المجلس الانتقالي الجنوبي كشريك سياسي أول مرة على الساحة، ووفر للمجتمع الدُّوَليّ بديلا موجودا على الأرض، يمثل الجنوب حتى وإن كان التمثيل ليس شاملاً بنظر البعض، فإنه تمثيل حاضر للقضية الجنوبية وبقوة.

أصبح بإمكان المجتمع الدُّوَليّ مخاطبة المجلس الانتقالي مباشرة دون إذن من الدولة اليمنية، وأصبح المجلس قادراً على وضع آراء الجنوبيين، ومنح موافقته على كل شيء يعتمل في الجنوب، وهذا لم يتحقق منذ 1994م.

في عالم السياسة هناك مستوى معين من الثقة التي يجب أن تبنى، ولا يمكن بناء الثقة دون أخذ مصالح الأطراف الأخرى، ولا سيما الدولية بالحسبان. لكن لُعْبَة السياسة تختلف عن لُعْبَة الحرب، فالحرب واضحة في أساليبها أو طريقة قيادتها على الأرض، أما السياسة، فمليئة بالفِخاخ والالتواءات.

اليوم لا يمتلك المجلس أي شرعية للاعتراض على قرارات الدولة وما يحدث فيها، لكن عندما يكون شريكا فيها فمن حقه الاعتراض بالكامل على كل شيء،  ولقوى المهيمنة على الشرعية واعية تماماً لهذه النقطة، وتريد بأي طريقة إفشال اتفاق الرياض؛ لأن دخول المجلس في الحكم سيفسد كل ما يقومون به من إثراء غير مشروع، ومن إقصاء الجنوبيين من السلطة.

وما نعرفه عن قرب من خلف كواليس الرياض، يظهر أن الأمور تسير في صالح الجنوبيين وفرضهم على الساحة السياسية، ويجب على الجميع المساعدة لتحقيق هذا الأمر وعدم الانجرار إلى أي صراع جانبي يود الطرف الآخر إلهاء الجنوبيين به.

إن مهاجمة الجارة الكبرى المملكة العربية السعودية هو ما يريده أعداء الجنوب الآن، وقد لوحظ تسارع وتيرة هذا الهجوم من حسابات جديدة على شبكات التواصل الاجتماعي؛ مما يوحى أنها عملية منظمة يديرها طرف سياسي ليس راضيا عما يدور في الرياض، ويسعى لإفساد الأمر.

ستسعى أطراف سياسية عدة للتشكيك بمواقف الانتقالي ومحاولة تأليب الجنوبيين ضده، وكلما ازدادت وتيرة التأليب، فاعلموا أن الانتقالي يقوم بالخطوات الصحيحة في الرياض.
المفاوضات تعتمد على الحنكة السياسية والنية للتنفيذ، أما المراوغة لغرض تضييع الوقت، فستنسف مبدأ التفاوض، وسيخسر الطرف المراوغ ثقة جميع الأطراف الراعية كما حصل في مؤتمر الحوار في صنعاء. ومهمة الجنوبيين الأولى اليوم كسب ثقة المُجتَمَعَين الإقليمي والعالمي بأي ثمن، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، وإلا سيكون الطرف الأخر في مكانهم.

الحرب ستنتهي بالتفاوض، ويجب التعجيل بنهاية هذه الحرب؛ للتفرغ للتنمية، فوضع المواطنين قد ساء إلى درجة لم تعد تحتمل، وموضوع إصلاح الخدمات ومحاربة الفساد الذي تغول في البلاد أولوية قصوى اليوم.

يجب تشجيع جميع الأطراف للقبول بالشراكة كواقع، طالما لا يملك أي طرف القدرة على الحسم العسكري، وما ترفضه نفس تلك القوى اليوم، ستقبل به بعد عشر سنوات أخرى من القتال، وستعود المفاوضات إلى مربعها الذي تركته سابقاً.
و بعد مرور ست سنوات من هذه الحرب، أصبح لزاماً على الرعاة الدوليين اليوم التصرف بحزم وقوة مفرطة لفرض التفاوض على جميع الأطراف؛ حماية للشعب في هذا البلد.
 أما موضوع فك الارتباط واستقلال الجَنُوب فلا مناص منه، وتعتمد سرعة الوصول إلى هذا الهدف على حنكة الجنوبيين السياسية.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى