حتى لا يُلدغ «الجنوب» مرة أخرى من نفس الجُحر

> قاسم عبدالرب العفيف

>
أسرار وخفايا.. الجنوب اقترح «كونفدرالية» وقرار الوحدة الاندماجية لم يكن متفقا عليه
الأفغان العرب الورقة التي لعب عليها نظام صنعاء للانقضاض على الجنوب


توطئة
عندما تريد أن تبني بيت العمر فأول ما تفكر فيه أن تجهز التربة هل هي صالحة لبناء البيت، وثاني شيء أن ترسم مخططا تفصيليا وبيان توزيع الغرف ومحتويات المنزل، لكي يتسع لجميع أفراد العائلة لتعيش سعيدة وآمنة وتذهب لتجلب أفضل البناة والنجارين وأحسن المواد وتشرف على عمل مجموعة البناء لحظة بلحظة حتى يكتمل المشروع، لكن إذا عملت عكس تلك الإجراءات فإنك لن تبني بيتاً سعيداً وآمناً وسيكون معرضا للانهيار في أية لحظة، وما ينطبق على بناء منزل شخصي ينطبق على بناء وطن، ومع الأسف هذا السيناريو العكسي جرى تطبيقه عند ترتيب الوحدة اليمنية بين دولتي الجنوب والشمال من طرف الشريك الشمالي، وسنعرض بعض الخطوات للذكرى عسى تنفع المؤمنين.

في نهاية حرب 79م كانت هناك مفاوضات بين طرفي الحرب الجنوب والشمال بدولة الكويت، تمخض اللقاء عن تشكيل لجنة دستورية أعطيت لها مدة أربعة أشهر لكي تنجز مهامها بإعداد الدستور وبعدها يلتقي الرئيسان في صنعاء لمواصلة الحوار للدفع بعجلة الوحدة إلى الأمام، لم يتم طلوع الرئيس الجنوبي في نفس الموعد وبدلاً منه طلع نائبه وبعد عام غادر الرئيس الجنوبي منصبه ليتولى نائبه مهام الرئاسة بدلاً منه، ولكن اللجنة الدستورية واصلت عملها وأنجزت المشروع في سبتمبر 1981م وطرح في الأدراج، ومضمون وجوهر الدستور يتلخص في مادة واحدة التي غيرت مفهوم الوحدة لدى النظام في صنعاء والتي تقول بأن كل 50 ألف مواطن يكون مقابله نائب في مجلس النواب، وبقية المواد لا معنى لها لأن الأمر قد حسم، ومن يملك الأغلبية المطلقة في المجلس سيكون هو الحاكم، وكان نظام صنعاء يتحين الفرصة لكي يدخل الشريك الجنوبي في وحدة اندماجية على أساس هذا الدستور، لأنه يعرف حجم نوابه في مجلس النواب والسيطرة بالأغلبية المطلقة.

الأفغان العرب
بعد كارثة 86 كان الجنوب يعيش إرهاصات بنيوية في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأسباب كثيرة أهمها توابع الكارثة، وكان لابد أن يجري تغيير شامل في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتم البدء في إعداد مشروع الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل وإجراء مصالحة وطنية ودارت عجلة النقاشات عبر اللجان التخصصية وعبر وسائل الإعلام المختلفة، وإن تم إقرار ذلك المشروع سينقل الجنوب إلى آفاق جديدة وستنهض التنمية وستفتح الأبواب المغلقة وعندها فلن تتم الوحدة أو على الأقل ستأخذ مدى زمنيا بعيدا وبشروط جديدة، ولهذا سارع نظام صنعاء للعمل باتجاهين وفي وقت واحد.

الاتجاه الأول قام بجمع كل المجاهدين الأفغان وإحضارهم إلى صنعاء ليكملوا مهمتهم في تحرير عدن من (الشيوعية)، وفي سبتمبر من عام 89م عقد مؤتمر في بيشاور بعد نهاية حرب أفغانستان جمع كل المجاهدين من بلدان عربية مختلفة وقرروا المجيء إلى صنعاء لمواصلة الجهاد ضد عدن وتم إدخالهم في مؤسستي الجيش والأمن الشمالي ومنحهم رتبا عسكرية، وحتى في مقابلة تلفزيونية على محطة العربية أشار الأمير تركي الفيصل الذي كان حينها مدير الاستخبارات السعودية بأن بن لادن طلب منه الإذن بالتمركز في صنعاء لمحاربة عدن، وحسب قوله بأنه رفض وأشار إلى أن هناك ترتيبات إقليمية ودولية تخص هذا الموضوع، لكن في الواقع كانت صنعاء قد استقبلتهم ووزعتهم في معسكراتها.

الاتجاه الثاني أن يشكل هجمة شمالية سياسية وإعلامية موجهة نحو الجنوب لعرقلة مشروع الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل بأن تقدم بمشروع اتحاد الدولتين على أساس فدرالي، وهذا المشروع هو المشروع الذي أشار إليه الأمريكان عند زيارة علي عبدالله صالح لأمريكا وهو يعرف أن الجنوبيين لا يمكن الموافقة على المشروع الفدرالي لأسباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، ولأن الجنوب لم يكن مستعدا للوحدة لكنه تقدم بمقترح الوحدة على أساس كونفدرالي يحفظ للدولتين كيانهما المستقل وعند بدء المناقشات بين الطرفين كانت النتيجة الاختلاف الصريح، ولكن لا أحد يعلم كيف خرج مشروع الوحدة الاندماجية إلى السطح عبر الموافقة على الدستور المذكور أعلاه، الذي هو بلا شك لصالح الطرف الشمالي جملة وتفصيلاً.

غدر وخيانة
لم يكن الجنوبيون على علم بتفاصيل ما كان يخبئه لهم القدر من غدر واستهتار من قبل الشريك الشمالي بمثل هكذا مشروع سياسي كبير وكانت المفاجئة أن تم تشكيل حزب الإصلاح، وهو فرع حزب الإخوان المسلمين، باتفاق بين الرئيس صالح والشيخ عبدالله الأحمر، وهدفه تعطيل الاتفاقات الموقعة بين الجنوب والشمال، وسيكون رديفا للمؤتمر ويحصل على دعم الرئيس، وهذا ما ذكره الشيخ الأحمر في مذكراته، وهذا ما حصل من أول يوم أنشئ فيه الحزب وجه آلًته الإعلامية ضد الجنوب واستخدم الفتاوى والمساجد وكل ما في أيديهم من وسائل لهدم ما تم البناء عليه مع الشريك الشمالي بشأن الوحدة، وفي نفس الوقت خرجت مجاميع المجاهدين من معسكرات الجيش والأمن لتدشن الاغتيالات للقيادات والكوادر القادمة من الجنوب وتتحرك وتتصرف بحماية رسمية من أجهزة الدولة في صنعاء.

وظل نظام صنعاء يقدم الجزرة والعصا للشريك الجنوبي حتى أشعل حربا ضد الجنوب وتمت السيطرة على كامل التراب الجنوبي وفي مقدمة الجيش فيالق المجاهدين الذين سموهم "الأفغان العرب" وهم خليط من معظم الجنسيات العربية، وباحتلال الجنوب تدمرت الوحدة السلمية والطوعية وبدأ مسلسل هدم مؤسسات الدولة الجنوبية وتسريح جيشها وأمنها وموظفيها وتغيير كل ما يرجع إليها من أسماء الشوارع والأحياء والمدارس وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين المدنيين وعمال مصانع القطاع العام والمختلط، وتم توزيعها كمكافئات لمن شاركوا في غزو الجنوب، وتقاسموا البحر والصحراء والمطارات والموانئ، وتحولت إلى ملكيات شخصية بما في ذلك القطاعات النفطية والغاز والبحر وهكذا، وأصبح شعب الجنوب بكامله غريبا على أرضه لا يملك قوت يومه، لأن الكثير منهم يعتمد على الراتب من الدولة ومن عمله الذي أصبح مطرودا منه.

تمكن النظام من زرع القاعدة وأخواتها في أرض الجنوب، بهدف ترهيب الجنوبيين وتوجيهها لاغتيال الكوادر الجنوبية العسكرية والأمنية، وأيضا لابتزاز الإقليم والعالم لجلب المساعدات، وبدأ مسلسل حجز الرهائن الأجانب من السياح وطلب فدية من الدول وتم ضرب المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن وضرب ناقلة النفط الفرنسية لامبيرجي في ميناء ضبة في حضرموت، وأصبحت القاعدة تمتلك مراكز للتدريب وتأهيل المجاهدين وإرسالهم إلى بلدان أخرى منها المجاورة، وأصبحت العملية تجارية استثمارية تستفيد منها قيادات محسوبة على حزب الإصلاح اليمني وبعض القيادات في الدولة.

تركزت الحالة الإعلامية والثقافية في صنعاء لتثبيت هذا (المنجز) الذي حققوه بالغدر نحو الجنوبيين، وظل إعلامهم يصفون الجنوبيين بالانفصاليين وبقايا الإرث الاستعماري، وحتى كانوا يشككون في انتمائهم العروبي وأن الفرع قد عاد إلى الأصل، وسادت ثقافة القبيلة والفساد والثأرات وانسدت الأبواب أمام الجنوبيين، ولم يطلع أي شخص أو حزب أو قبيلة شمالية يجاهر بمعارضة تلك السياسية، بل الجميع استمتع بها لكي يحصل على نصيبه من الغنيمة.

وبقدرة الخالق تصدع البيت الشمالي واهتزت أركانه وكاد أن يسقط، وانشق أحد أقطاب السلطة قائد الفرقة الرابعة مدرع اللواء علي محسن الأحمر وتحول من سفينة السلطة إلى سفينة الثورة الشبابية، وأول بيان أشار فيه إلى أن نظام عفاش أدار الجنوب بالاستعمار والشمال بالاستبداد واعترف بأن الجنوب كان محتلا من قبلهم وكان شريكا أساسيا مع عفاش، وعندما أصبح نائب رئيس الشرعية لم يغير من نهجه شيئا بل يدير الجنوب بالاستعمار.

المبادرة الخليجية
وجاء الإنقاذ من مجلس التعاون الخليجي والدول الكبرى لمنع السقوط الكبير بمبادرة لرأب الصدع بين فرقاء السلطة الحاكمة في صنعاء وتجاهلوا الجنوب ومشكلاته، وَلَكِن كان هناك مهندس سياسي بارع (عبدالكريم الإرياني) الذي حاول جلب الجنوبيين إلى مؤتمر الحوار وهو صاحب المقولة بعد حرب 94م (نحن ابتلعنا الجنوب ولم يتبق إلا هضمه وفرش الورد أمام من سيأتي من الجنوب) وأكثر من الوعود وسمح بأن يطرحوا أي سقف يريدون في مؤتمر الحوار حتى إنهم قدموا اعتذارات مِن غزو الجنوب في 94م، وأن ذلك كان خطأ، وأسرفوا في منح الجنوب ما يحتاج من بيانات ووعود كثيرة، ولكن في نهاية المؤتمر تم الانقلاب على ممثلي الجنوب بل تم استنساخ ممثلين جنوبيين اشتروهم بثمن بخس لكي يكونوا مثل الكومبارس معهم، وكانت لهذا المهندس مقولة شهيرة أخرى بعد انتهاء مؤتمر الحوار بأن (كل ما أعطيناهم -يقصد الجنوبيين- بمؤتمر الحوار استعدناه بمواد الدستور)، وهكذا لا يستطيعوا إلا أن يغشوا في البناء، ولهذا تهدم كل ما بنوه في غمضة عين عندما تحالف عفاش مع الحوثيين وعملوا انقلابا وسيطروا على الدولة وألغوا كل ما تم الاتفاق عليه وتفرقت أيادي سبأ من جديد.

ما يجري اليوم من مماطلات وعدم تنفيذ اتفاق الرياض ليس بجديد على هذه القيادة التي لم تفِ بتعهداتها في أي يوم من الأيام، وعندما تكون في مأزق تشتري الوقت عبر عقد اتفاقات لا تنفذ وهي تجيد هذه اللعبة وتعتقد بالفهلوة السياسية هذه بأنها ستنجح، ولهذا لابد من المفاوض الجنوبي أن يكون يقظا ومنتبها لمثل هذه الأساليب الملتوية حتى لا يلدغ مرة أخرى من نفس الجحر.

آخر الكلام
علق الانتقالي المفاوضات وطرح مبررات لتعليق المفاوضات وكانت صحيحة.
عاد الانتقالي للمفاوضات وهو يعرف أنه لم ينفذ شيئا من تلك المبررات التي طرحها وحصل على محضر فيه تكرار لقرارات تم التفاوض عليها في رياض 1 ورياض 2.

كان التفاوض مع رئيس الحكومة المكلف والسفير آل جابر بغياب مؤسسة الرئاسة (الرئيس ونائبه وطاقم الرئاسة المتنفذ) والسؤال: هل ينفذ ما تم الاتفاق عليه في هذا المحضر بينما في الواقع لم تنفذ قرارات الرياض 2 التي لم تجف حبرها؟
مدة التكليف للحكومة انتهت ولا ندري هل تكون المدة مفتوحة إلى ما لا نهاية... انتهى الكلام.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى