> عدن «الأيام» خاص:
وسط مدينة عدن، وبين تضاريسها المتنوعة وتاريخها المترامي على الشطآن، تنتصب شواهد على مراحل حضارية عميقة ومتنوعة، كان من أبرزها المعهد العلمي الإسلامي المعروف بـ"البيحاني"، وسينما "حقات" التي شكلت واحدة من علامات المدينة الثقافية والمدنية.
الباحث في التراث العدني، علي أحمد بانافع، يعود بنا بذاكرته إلى تلك الحقبة التي تختلط فيها أصوات الأمواج برائحة الورق وحيوية الشاشات.

لكن وبعد الاستقلال، وتحديدًا في العام 1969م، بدأت رحلة التحوّل القسري لهذا الصرح، بعد أن تبنّت السلطة الجديدة نهجاً اشتراكياً، حدّ من نشاط العلماء ودور المؤسسات الدينية. أُغلق المعهد وتحول لاحقًا إلى مقر لوزارة الداخلية حتى بداية التسعينيات.
ويضيف بانافع من ذكرياته الشخصية: "دخلت مبنى وزارة الداخلية لأول مرة حينها لتقديم طلب للسفر إلى الشمال بعد أداء الخدمة العسكرية. كتبت خطاباً إلى الوزير العقيد محمد عبدالله البطاني، وطلبت فيه الإذن بالسفر بدون ضمانة، وذهبت بنفسي إلى منزله، حيث كان يقيم في شقة بسيطة بكريتر. استقبل طلباتنا بيده، وبعد ساعات فقط كنت أحمل وثيقة التنقل بين الشطرين مختومة وموقعة بالسماح، وهو ما لم أصدق حدوثه بتلك البساطة."

"ما إن تدخل من المدخل الجبلي، حتى تطلّ عليك تلك السينما العملاقة بموقعها البديع المطل على البحر، وهي مجهزة بتكييف مركزي ومقاعد مخملية مريحة تنقلب عند النهوض، في تفاصيل لا تزال محفورة في ذاكرة كل من زارها". – يقول بانافع.
ويتابع وصفه: "كانت السينما تفتح أبوابها ثلاث مرات يومياً، وتعرض أحدث الأفلام العربية والهندية والغربية. أما قبل دخول العرض، فكان لا بد من المرور بـ"بوفيه الصنعاني"، وهو عبارة عن شاحنة طعام (Food truck) تقدم السندوتش بالبيض والخس، ومشروب الرمان، الذي كان الأكثر شعبية في حينه."

ويشير بانافع إلى ميزة فريدة: "من الأمور التي لا تُنسى، الأغاني المصرية التي كانت تُشغل قبل عرض الفيلم وبين الشوطين – وردة، عبدالحليم، وفريد الأطرش – عبر سماعات ضخمة تبث إحساساً بأنك في مدينة من مدن السينما الحقيقية."
مدينة لا تنسى ملامحها بين المعهد الذي تَحوَّل وبين السينما التي أُغلقت، تختزن مدينة عدن ملامح مرحلة غنية عاشتها أجيال متعاقبة، وتحوّلت مع الزمن إلى حكايات يرويها من عايشها. يقول بانافع، وهو يختم حديثه بشيء من الحسرة:
"عدن مدينة تستحق أن تُكتب سيرتها بكل فخر، وأن تُحفظ ذاكرتها، فالتاريخ هنا لا يُقرأ في الكتب فقط، بل يُشمّ في الهواء ويُرى على الجدران".
الباحث في التراث العدني، علي أحمد بانافع، يعود بنا بذاكرته إلى تلك الحقبة التي تختلط فيها أصوات الأمواج برائحة الورق وحيوية الشاشات.
- منارة علم تحوّلت إلى مقر أمني
يقول بانافع:"كان المبنى ضخماً ومنظّماً على نحو يدل أن هناك من أنفق عليه بسخاء وبنية صادقة لنشر التعليم الإسلامي المعتدل في المدينة. تبنّى البيحاني الفكرة، وجمع لها الدعم من الخيرين في عدن وخارجها، فخرج المعهد إلى النور ليقدم دروس العلم والشريعة لأكثر من عشر سنوات".

لكن وبعد الاستقلال، وتحديدًا في العام 1969م، بدأت رحلة التحوّل القسري لهذا الصرح، بعد أن تبنّت السلطة الجديدة نهجاً اشتراكياً، حدّ من نشاط العلماء ودور المؤسسات الدينية. أُغلق المعهد وتحول لاحقًا إلى مقر لوزارة الداخلية حتى بداية التسعينيات.
ويضيف بانافع من ذكرياته الشخصية: "دخلت مبنى وزارة الداخلية لأول مرة حينها لتقديم طلب للسفر إلى الشمال بعد أداء الخدمة العسكرية. كتبت خطاباً إلى الوزير العقيد محمد عبدالله البطاني، وطلبت فيه الإذن بالسفر بدون ضمانة، وذهبت بنفسي إلى منزله، حيث كان يقيم في شقة بسيطة بكريتر. استقبل طلباتنا بيده، وبعد ساعات فقط كنت أحمل وثيقة التنقل بين الشطرين مختومة وموقعة بالسماح، وهو ما لم أصدق حدوثه بتلك البساطة."
- حقات.. البحر والسينما
ومن المعهد ننتقل في ذاكرة بانافع إلى منطقة حقات، التي يصفها بأنها "بوابة الدخول إلى عالم ساحر يضج بالحياة والمدنية والترفيه." المدخل الصخري المنحوت في الجبل، يفتح الطريق إلى عالم تتوزع فيه ملامح الرفاهية: البحر، المسبح الدولي، وأبرزها سينما حقات التي شُيّدت عام 1960م على يد رجل الأعمال جعفر مرزا.

"ما إن تدخل من المدخل الجبلي، حتى تطلّ عليك تلك السينما العملاقة بموقعها البديع المطل على البحر، وهي مجهزة بتكييف مركزي ومقاعد مخملية مريحة تنقلب عند النهوض، في تفاصيل لا تزال محفورة في ذاكرة كل من زارها". – يقول بانافع.
ويتابع وصفه: "كانت السينما تفتح أبوابها ثلاث مرات يومياً، وتعرض أحدث الأفلام العربية والهندية والغربية. أما قبل دخول العرض، فكان لا بد من المرور بـ"بوفيه الصنعاني"، وهو عبارة عن شاحنة طعام (Food truck) تقدم السندوتش بالبيض والخس، ومشروب الرمان، الذي كان الأكثر شعبية في حينه."
سينما "حقات"، التي كانت تحتضن نحو 350 مقعدًا موزعة على صالة وبلكون، كانت الأغلى ثمنًا في عدن، حيث بلغ سعر تذكرة البلكون 5 شلنات، بينما كانت الصالة الأرضية 3 شلنات. وكان يمنع فيها التدخين نظراً للتكييف، مع تخصيص أماكن خارجية لذلك.

ويشير بانافع إلى ميزة فريدة: "من الأمور التي لا تُنسى، الأغاني المصرية التي كانت تُشغل قبل عرض الفيلم وبين الشوطين – وردة، عبدالحليم، وفريد الأطرش – عبر سماعات ضخمة تبث إحساساً بأنك في مدينة من مدن السينما الحقيقية."
مدينة لا تنسى ملامحها بين المعهد الذي تَحوَّل وبين السينما التي أُغلقت، تختزن مدينة عدن ملامح مرحلة غنية عاشتها أجيال متعاقبة، وتحوّلت مع الزمن إلى حكايات يرويها من عايشها. يقول بانافع، وهو يختم حديثه بشيء من الحسرة:
"عدن مدينة تستحق أن تُكتب سيرتها بكل فخر، وأن تُحفظ ذاكرتها، فالتاريخ هنا لا يُقرأ في الكتب فقط، بل يُشمّ في الهواء ويُرى على الجدران".

















