> عدن «الأيام» خاص:

  • القطاع الخاص يحذر من اضطراب تمويني وإفلاس التجار ويدعو لتوفير السيولة
> خلال أربعة أيام فقط، شهد الريال اليمني تحسنًا لافتًا أمام العملات الأجنبية، مستعيدًا ما يقارب 50 % من قيمته السوقية في سابقة لم تعهدها الأسواق المالية في اليمن. هذا التحسن المفاجئ، الذي قوبل بترحيب رسمي وضغط على القطاع الخاص لخفض الأسعار، جاء دون أي إعلان عن إجراءات جوهرية تتعلق بالسياسات النقدية أو المالية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعته واستدامته.
  • إجراءات شكلية أم معالجات فعلية؟
البنك المركزي اليمني في عدن أعلن عن تنفيذ حملات رقابة واسعة على شركات ومحلات الصرافة، شملت إيقاف عدد منها بتهمة المضاربة بالعملة، كما أوقف بنوكًا محددة عن التعامل. ورغم أن هذه الخطوة اعتُبرت إدارية وتنظيمية، فقد أعقبها تحسن مفاجئ لسعر صرف الريال أمام الدولار، ما دفع الحكومة للإشارة إلى نجاح هذه الإجراءات في كبح انهيار العملة.

متابعين للشأن الاقتصادي أشاروا إلى أن هذه الإجراءات وحدها لا تبرر تحسناً بنسبة كبيرة خلال فترة قصيرة، في ظل غياب أي من العناصر الهيكلية التي تؤثر عادة في سوق الصرف، وأبرزها:

- غياب وديعة مالية معلنة أو دعم خارجي جديد.

- استمرار توقف تصدير النفط.

- عدم تحسين الموارد العامة للدولة أو زيادة تدفقات العملة الصعبة.

- غياب الإصلاحات المالية والمؤسسية، مثل تفعيل جباية الإيرادات من أكثر من 147 جهة حكومية ما زالت خارج نطاق التوريد للبنك المركزي.

- غياب ضبط حقيقي للفساد المالي في المؤسسات الإيرادية الكبرى.
  • إيجابيات
رغم الهواجس المحيطة، إلا أن التحسن الآني للعملة المحلية يحمل في ظاهره بعض الإيجابيات، أبرزها:

تهدئة مؤقتة لأسواق السلع والخدمات، وتخفيف الضغط على الفئات ذات الدخل المحدود، شريطة أن يترجم التحسن إلى انخفاض فعلي في الأسعار.

رفع مستوى الثقة بالعملة الوطنية ولو مؤقتاً، ما قد يساهم في الحد من ظاهرة "الدولرة" والاعتماد المفرط على العملات الأجنبية.

تمكين البنك المركزي من التقاط الأنفاس لإعادة ترتيب أدواته النقدية والرقابية.
  • مخاطر محتملة
لكن ما يقابل هذه الإيجابيات من سلبيات ومخاطر يستحق الوقوف عنده بجدية، خاصة في ظل غياب قاعدة اقتصادية تبرر ما حدث:

- غياب الغطاء النقدي الحقيقي: لا يمكن للعملة الوطنية أن تستعيد قيمتها دون وجود تدفقات حقيقية للعملة الصعبة، سواء عبر الصادرات أو الدعم الخارجي أو تحويلات المغتربين.

- ضغط على القطاع الخاص: فرض تخفيض الأسعار بناء على سعر صرف جديد دون ضمان توفير الدولار بالسعر ذاته للمستوردين والمنتجين يهدد بتفاقم خسائر القطاع الخاص وربما يؤدي إلى انسحاب بعض المستثمرين أو تجميد النشاط.

- خطر المضاربات العكسية: إذا تبين أن التحسن مؤقت وغير مدعوم، فقد يشهد السوق موجة مضاربة عكسية عنيفة، ما يؤدي إلى انهيار سريع وربما أكثر حدة من ذي قبل.

- تشويش على السياسات الاقتصادية: حدوث تغيّرات سعرية حادة دون تفسير اقتصادي واضح يفقد السوق الثقة في أداء السياسات النقدية، ويضعف أدوات التوقع والتخطيط.
  • ما يفترض أن يكون؟
وفقًا لرؤية اقتصادية محايدة، فإن أي تحسن مستدام في سعر العملة المحلية يجب أن يستند إلى ما يلي:

- زيادة المعروض من النقد الأجنبي عبر صادرات النفط والغاز أو دعم خارجي واضح وشفاف.

- تحقيق ضبط مالي ومؤسسي حقيقي في إدارة موارد الدولة، وخاصة الإيرادات العامة.

- تكامل السياسة النقدية مع السياسة المالية، بحيث يكون هناك تنسيق معلن وشفاف بين البنك المركزي ووزارة المالية.

- ضمانات للمستوردين والمستثمرين بتوفير العملة الأجنبية بسعر السوق المعلن، حتى لا تتحول الأرباح الورقية إلى خسائر واقعية.
  • موقف القطاع الخاص
مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، وهي أكبر تكتل صناعي وتجاري في اليمن، أصدرت بيانًا حذرت فيه من خطورة فرض أسعار غير واقعية دون ضمان استقرار سعر الصرف أو توفير العملة الأجنبية بالسعر المعلن.

وأشارت إلى أن هذه السياسة قد تؤدي إلى:

- اضطرابات تموينية وانقطاع السلع.

- إفلاس المصنعين وتجار الجملة والتجزئة.

- ارتفاع لاحق للأسعار يضر بالمستهلك البسيط.

وأكدت المجموعة أنها تعمل على إعادة تسعير منتجاتها بما يحافظ على استقرار السوق والأمن الغذائي، داعية الحكومة إلى معالجات مرحلية ومدروسة.
  • خبراء يتحدثون
أستاذ المالية والاقتصاد السياسي في جامعة عدن، د. محمد جمال الشعيبي، عبر عن شكوكه بشأن واقعية التحسن في سعر الريال اليمني. قائلا إن "التحسن المفاجئ في سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية لا يبدو أنه ناتج عن تدخلات اقتصادية حقيقية، مثل زيادة الصادرات أو وصول ودائع نقدية، بل يعكس ـ على الأرجح ـ تفاعلات سياسية مشابهة لتلك التي وقفت خلف الانهيار السابق في سعر العملة".

وأضاف أن ما شهدته الفترة الماضية من تدهور في قيمة الريال كان بفعل أزمة "مفتعلة" لا تستند إلى مبررات منطقية، معتبرًا أن "التحسن الحالي أيضًا لا يقوم على أسس اقتصادية متينة، ولا أعتقد أن مجرد تحركات أو قرارات خلال فترة قصيرة يمكن أن تُحدث هذا التحول الكبير في قيمة العملة".

ولقياس واقعية التحسن، أشار الشعيبي إلى سعر الوقود، باعتباره مؤشرًا حساسًا لسعر الصرف، وقال: "كان سعر 20 لترًا من الوقود يبلغ 37,800 ريال قبل تحسن سعر الصرف، وبعد التحسن أعلنت شركة النفط عن تعديل السعر إلى 31,000 ريال فقط، أي بانخفاض نسبته نحو 18 %، رغم أن التحسن في سعر الريال وصل إلى قرابة الثلث، فهل هذا يعكس فعلاً حساسية السوق لسعر الصرف كما يحدث عند الانهيار."

وأردف: "لو كان التحسن حقيقيًا بالكامل، لكان من المفترض أن يكون سعر الوقود اليوم نحو 25,200 ريال، وليس 31,000، وهو ما يعزز الشكوك بأن ما حدث لا يعكس واقع السوق". وخلص إلى أن "مثلما كان الانهيار في سعر الصرف بفعل فاعل، فإن التحسن الحالي أيضًا جاء بفعل نفس الفاعل، ولكن دون أن يقابله تحسن ملموس في أسعار السلع والخدمات"، متسائلًا عن مدى استمرارية هذا التحسن في غياب العوامل الواقعية.

وفي سياق متصل، عبّر رئيس نقابة الصرافين الجنوبيين، حسين البعسي، عن موقف مماثل، معتبرًا أن "الانخفاض الحاد في سعر صرف العملات الأجنبية خلال الأيام الماضية لا يعكس واقعاً اقتصادياً حقيقياً"، مرجحًا أن يكون ناتجًا عن "جني أرباح من قبل الشركات الكبرى التي كانت قد استعدت لهذا الهبوط".

وقال في تصريحات نشرها أمس مركز سوث24 للدراسات إن "البنك المركزي لا يمتلك احتياطيًا نقديًا من العملات الأجنبية أو الذهب، ولا يملك حتى ما يكفي من الأوراق النقدية بالريال لتغطية رواتب الدولة، فكيف يُقال إنه ضخ سيولة في السوق؟ فاقد الشيء لا يعطيه".

وأكد أنه "لا يوجد أي دعم مالي من دول الخليج خلال هذه الفترة، وبالتالي فإن هذا التراجع في أسعار الصرف لا يستند إلى أي عوامل اقتصادية حقيقية". وأضاف في تحذير: "أعتقد أن الكثير من المواطنين والتجار سيفقدون مدخراتهم بسبب هذا الانخفاض الوهمي. ومن وجهة نظري، فإن السعر الحقيقي للعملات الأجنبية سيتضح خلال شهر من الآن، وسنشهد على الأرجح عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، إن لم تكن أعلى".
  • سوق هش
في قراءة أكثر تفصيلًا، وصف رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، هذه التقلبات بأنها "غير طبيعية وتعكس هشاشة السوق النقدية وغياب الاستقرار الحقيقي".

وقال "المضاربة وفوضى سوق الصرافة لعبتا دورًا رئيسيًا في تعميق الأزمة"، مشيرًا إلى أن "الإجراءات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي في عدن، بما في ذلك تفعيل لجنة المشتريات وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، كان لها أثر إيجابي ملموس"، لكنه شدد على ضرورة استمرار هذه الجهود للقضاء على السوق الموازية المنفلتة. واعتبر أن "شح الموارد من النقد الأجنبي نتيجة توقف تصدير النفط، إضافة إلى أخطاء في السياسات المالية والنقدية، تمثل أبرز العوامل وراء هذا التدهور"، مؤكدًا أن "معالجة هذا الملف أو على الأقل الحد منه من جانب السلطة الشرعية يُعد أمرًا بالغ الأهمية لضمان استقرار العملة".

وأشار نصر إلى أن دعم البنك المركزي لا يكفي ما لم يُقرن بإصلاحات سياسية، مؤكدًا أن "من المهم دعم البنك المركزي اليمني وتوفير الغطاء السياسي له"، داعيًا إلى "استعادة الموارد وتحقيق الحد الأدنى من الاستدامة المالية".

وحذر من "الاستمرار في دور المتفرجين والسعي الشهري وراء الرواتب فقط، لأن غياب الحلول المستدامة يهدد أي تحسن في قيمة العملة"، مشيرا إلى أن "استمرار حالة عدم اليقين والانقسامات بين مكونات الشرعية اليمنية يعرقل أي مسار إصلاحي"، حد وصفه. معتبرًا أن "إصلاح منظومة الشرعية وآليات اتخاذ القرار بإرادة سياسية جادة يُعد الخطوة الأولى قبل أي إصلاح اقتصادي".

وختم نصر حديثه بتحذير مباشر للمواطنين: "أحذر من الانجرار وراء المضاربة أو الوقوع في فخاخ المتلاعبين بسوق العملة، وعلى من لديهم حسابات لدى شركات الصرافة أن يتوخوا الحذر، لأن ضياع الأموال مسألة وقت في ظل غياب الرقابة الفعالة".
  • بالمحصلة
التحسن المفاجئ لقيمة الريال اليمني قد يمنح السوق دفعة نفسية مؤقتة، لكنه من منظور اقتصادي يبقى تعافيًا هشًّا مالم يستند إلى إصلاحات شاملة ومنهجية. استمرار الضغط على القطاع الخاص دون تقديم أدوات دعم حقيقية، وتحقيق استقرار اقتصادي دون معالجة حقيقية لملفات الفساد والإيرادات، لا يعدو كونه قفزة في الظلام قد تكون عواقبها أكبر من مكاسبها.. الكرة الآن في ملعب الحكومة والبنك المركزي لإثبات أن ما حدث ليس فقاعة مؤقتة، بل بداية إصلاح فعلي في مسار الاقتصاد اليمني المنهك.