في مدينةٍ كُتبت بالحبر والنور، يُطوى وجهها الجميل كما تُطوى الصفحة الأخيرة من كتاب منسي.

عدن، هذه المدينة التي طالما كانت منارة إشعاع حضاري في جنوب الجزيرة العربية، تتعرض اليوم لعملية اغتيال ممنهجة لذاكرتها الجماعية، ولطمس متعمد لملامحها الثقافية والتراثية التي شكّلت روحها ونبضها المتفرّد عبر عقود طويلة. أن ما يجري ليس إهمالًا عابرًا ولا تقصيرًا بيروقراطيًا يمكن تداركه بخطاب اعتذاري أو بيان نادم، بل هو استباحة متعمدة لأماكن الذاكرة ومؤسسات الجمال، تدميرٌ تمارسه الأيدي النافذة تحت شعارات الاستثمار والمصلحة العامة، في حين أن الحقيقة أكثر عريًا من أن تُغطى. وما جريمة هدم سينما بلقيس إلا واحدة من تجليات هذا العبث المنفلت من كل ضمير أو قانون. لقد تجرأ أحد المتنفذين على هدم هذا الصرح الذي لم يكن مجرد مبنى إسمنتي، بل كان مرآة حضارية لأجيال من أبناء عدن، ومحطة من محطات الوعي والتنوير التي رافقت مسيرة الفن السابع للمدينة.

سينما بلقيس لم تكن شيئًا عابرًا، بل كانت عنوانًا للفن والحداثة حين شُيّدت عام 1960، في زمن كانت فيه عدن تزدهر بالثقافة والفكر والفن. افتُتحت في 5 يناير من ذلك العام على يد السلطان فضل بن علي بن أحمد العبدلي، سلطان لحج، وامتدت أنوارها في قلب خليج حقات، حتى تعانق البحر مع السينما لتشكل أيقونة من الجمال العمراني والمحتوى الثقافي. وكان صاحب هذا المشروع المتميز رجل الأعمال جعفر مرزا، الذي جعل من هذه السينما بوابة لعدن على العالم. وكان الفيلم الأول الذي دُشّن به هذا الفضاء الفني هو فيلم "الجسر على نهر كواي"، أحد أبرز أفلام السينما العالمية في حينه، وكأن الرسالة كانت منذ البداية أن عدن تستحق أن تُعرض لها الأفلام التي تهزّ الوجدان وتوقظ الوعي.

لكنّ ما جرى بعد ذلك من سنوات الجفاف والرعونة السياسية حول عدن إلى ساحة نهب لا تستثني شيئًا، حتى الذاكرة. لقد تحولت المدينة إلى غنيمة بين أيدي متسلّطين لا يرون فيها سوى موقع عقار، ومصدر مال، دون أي احترام لوجدان الناس أو تقدير للمكانة التاريخية التي لطالما تمتعت بها.

إن ما يحترق في صدور أبناء عدن لا يُعبّر عنه بيان استنكار ولا تغطّيه دموعٌ حبيسة. ما يختنقون به كلما مرّوا بموقع سينما بلقيس ليس فقط مشهد الأنقاض، بل الإحساس العميق بأنهم غرباء في مدينتهم، وأن ما أحبّوه يُدمَّر أمام أعينهم بلا رادع ولا حساب. ذلك المبنى الذي كان يومًا ملتقى للعائلات، ومنصة للثقافة، ومدرسة للفن، أُسقط بصمتٍ فاضح، بلا أن يُكترث لأهمية ما يمثله.

ليست سينما بلقيس هي الضحية الوحيدة، بل جزء من سلسلة جرائم تُرتكب بحق الهوية الثقافية لمدينة عدن، جرائم لا تحمل أسلحة ولكنها تقتل الروح. تهدم مكتبة هنا، وتُشوّه حديقة هناك، وتُقتلع شجرة معمرة لصالح بناء بلا روح، وتُجرف بناية تاريخية لتحل مكانها كتلة إسمنتية مشوّهة. والأدهى من كل ذلك، أن الفاعلين لا يُخفون نيتهم، بل يُجاهرون بها بكل برود، مدججين بخطابات الاستثمار والتنمية، وكأن المدن تُبنى بهدم ذاكرتها!

أبناء عدن، الذين احتضنوا الفن والجمال عبر أجيال، والذين عرفوا في مدينتهم معاني الحياة، لم يطلبوا المستحيل، بل فقط أن يُحترم إرثهم، أن تُصان ذاكرتهم، أن تبقى الأماكن التي أحبّوها وشكّلتهم شاهدة على حضورهم، لا أن تُباد كأنها لم تكن. لقد أصبح السؤال الأكثر مرارة هو: من القادم بعد سينما بلقيس؟ أي معلم سيلحق بركب الضياع؟ وأي صرح سيُهدّ وتحت أي عنوان؟

إن السكوت عن هذه الجرائم هو تواطؤ،

والحياد هو موقفٌ مشبوه، والوقوف على الهامش لم يعد خيارًا أخلاقيًا. أبناء عدن لا يطلبون الصدقات، بل يطالبون بحقهم في مدينة تحفظ كرامتهم وهويتهم وذكرياتهم. فليُحاسب من تجرّأ على هدم سينما بلقيس، وليكن ذلك بدايةً لحملة شعبية لحماية كل ما تبقى من جمال المدينة. إن عدن، بما تملكه من إرثٍ حضاري وتاريخي، تستحق الحماية والصون، لا أن تكون ضحيةً لجشع المصالح وانحدار القيم.