ليس القرار الاقتصادي الذي أصدره مجلس الوزراء بقيادة دولة رئيس الوزراء سالم بن بريك هو ما يُقلق التجار، بل عودة الدولة إلى موقع الفاعل، في بلدٍ اعتاد أن تُدار أسواقه بمنطق المضاربة، وأن يُقاس الاستقرار بسعر صرف الريال السعودي، يأتي قرار مجلس الوزراء بحظر استخدام العملة الأجنبية كصفعة أخلاقية قبل أن يكون إجراءً ماليًا. صفعة تقول: إن السيادة لا تُقاس بالاحتياطي النقدي، بل بقدرة الدولة على استعادة لغتها، لغتها النقدية، لغتها القانونية، لغتها الأخلاقية.

حين يُلزم القرار الجميع بالتعامل بالعملة الوطنية، فهو لا يُدافع عن الريال اليمني فقط، بل يُعيد الاعتبار لفكرة القانون نفسها، بعد أن تحولت السوق إلى سلطة موازية. التجار الذين يصرخون اليوم هم أنفسهم من راكموا أرباحًا خيالية من انهيار العملة. القرار يُربك منطقهم المعوج، ويُعيد توزيع القوة لصالح المواطن لا المضارب. ولا يمكن أن تُبنى الثقة بالريال اليمني إذا استمررنا في التعامل بالريال السعودي وكأننا نعتذر عن هويتنا النقدية. القرار يُعيد للناس شعورًا بأنهم ليسوا مجرد مستهلكين في سوق دولية، بل مواطنين في دولة لها عملة، ولها كرامة.

القرار وحده لا يكفي، إذا استسلم الناس لمنطق الخوف، وإذا تعاملوا مع الريال اليمني كعملة مؤقتة، فإن السوق ستنتصر من جديد. المطلوب اليوم ليس فقط الالتزام، بل الدفاع الشعبي عن القرار؛ أن يتحول كل مواطن إلى رقيب، لا على الدولة، بل على من يُحاول تقويضها من داخل السوق.

أيها المواطن، حين تدفع بالريال اليمني، فأنت لا تُجري معاملة مالية، بل تُمارس فعلًا سياديًا. وحين ترفض الدفع بالريال السعودي، فأنت لا تُعاند التاجر، بل تُدافع عن فكرة الدولة نفسها. لا تكن متفرجًا على معركة السيادة، كن طرفًا فيها.

وكأن الريال اليمني لم يكن يومًا مجرد ورقة أو قطعة معدنية، بل كان ذاكرة شعبٍ قاوم بالخبز حين شحّ القمح، وبالكرامة حين جُنّ السوق. هو ليس الأضعف في معركة العملات، بل الأصدق. كل خدش على وجهه هو أثر معركة، وكل يد تتداوله هي شهادة حياة. فلا تنظر إليه كرقم، بل كراية؛ راية لا تُرفع في البورصة، بل في يد كل من قرر أن لا يبيع وطنه بسعر صرف.