في خضم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اليمن، ينشغل المواطن بالبحث عن سبل العيش اليومي، فيصبح همّه الأول هو تأمين الغذاء وأساسيات الحياة، بينما تتراجع حقوقه الأخرى إلى الخلفية، كالحق في الكهرباء والماء والتعليم.

نعم، تحسنت أسعار بعض السلع، وانخفض سعر الصرف مؤخرًا، وأثبتت أجهزة الدولة والمواطنون فاعلية في الرقابة على الأسعار ومحاسبة المخالفين، وهو أمر يُشكر عليه الجميع. لكن أين هذا الحماس عندما يتعلق الأمر بالخدمات الأساسية؟ أين المساءلة عندما ينقطع التيار الكهربائي لأيام؟ وأين المحاسبة عندما يجفّ الماء أو تتدنى جودة التعليم؟

المواطن اليوم يعيش صراعًا داخليًا بين تأمين قوت يومه والمطالبة بحقوقه الأخرى. ففي حين يُحاسب التاجر إذا رفع سعر السلع، لا نرى الحماس نفسه في محاسبة المسؤولين عن انقطاع الكهرباء أو تدهور التعليم. لماذا يُترك المواطن يواجه هذه الخدمات المتدنية دون رقابة حقيقية؟ لماذا تُنسى هذه الحقوق رغم أنها لا تقل أهمية عن الطعام والشراب؟

كثير من المسؤولين يركزون على توجيه الانتقادات للمواطن ويتجاهلون أنهم خُدّام له، وأن واجبهم الأساسي هو تقديم الخدمات بكفاءة. صحيح أن الرقابة المجتمعية ضرورية، لكنها يجب أن تشمل كل الجوانب، وليس فقط الأسعار. يجب أن تكون هناك لجان رقابية تتابع أداء مؤسسات الكهرباء والماء والتعليم، وتكشف عن التقصير، وتطالب بالإصلاح.

من جانب آخر لدينا التعليم، وهو أساس بناء الأجيال، ومع ذلك نرى المدارس تعاني الإهمال، والمعلمون يعانون ضعف الرواتب، والطلاب يفتقرون إلى أبسط مقومات التعليم الجيد. إذا كان هناك تحرك قوي لمراقبة أسعار السلع، فلماذا لا يكون هناك تحرك مماثل لمراقبة جودة التعليم ومتابعة توفير مستلزماته؟

لا يكفي أن يتحمل المواطن مسؤولية الرقابة على الأسعار وحده، بل يجب أن يُسمع صوته عندما تُنتهك حقوقه الأخرى. الرقابة المجتمعية يجب أن تكون شاملة، والمحاسبة يجب أن تطال كل مقصّر، سواءً كان تاجرًا أو مسؤولًا.

نثمن كل الجهود المبذولة في تحسين الوضع الاقتصادي ومراقبة الأسعار، لكننا نطالب بألا تُنسى الحقوق الأخرى.

الكهرباء والماء والتعليم ليست رفاهية، بل هي حقوق أساسية لا تقل أهمية عن الغذاء.

يجب أن تتحول الرقابة إلى ثقافة شاملة، وأن يُحاسب كل مقصّر، لأن الوطن يُبنى بالعدل والمساءلة، وليس بالصمت على الانتهاكات.