• بين بنك الأهداف والرسائل المتبادلة
لم يكن فجر التاسع والعشرين من أغسطس عاديًا على سماء صنعاء. فقد هزّت سلسلة غارات إسرائيلية العاصمة اليمنية، أعادت معها سؤالًا محوريًا إلى واجهة النقاش: هل استهدفت إسرائيل فعلًا قادة بارزين في جماعة الحوثي، أم أن الأمر لا يعدو كونه عملية دعائية متبادلة بين طرفين يتقنان فنون الحرب الإعلامية؟.
  • تضارب الروايات وإقرار متأخر
منذ الساعات الأولى، تناقضت الروايات. الإعلام الإسرائيلي تحدّث عن قصف اجتماع قيادي للجماعة أثناء متابعة خطاب عبد الملك الحوثي، بينما سارع الحوثيون إلى وصف الضربات بأنها “فاشلة كسابقاتها”. لكن سرعان ما تواترت الأخبار من صنعاء، مدعومة برصد قوائم التعازي، لتؤكد أن الخسائر لم تقتصر على أحمد غالب الرهوي، رئيس حكومة الحوثيين غير الشرعية، بل شملت عددًا غير قليل من وزرائها. بعض الروايات تحدثت عن أكثر من عشرين وزيرًا، بينهم وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والنفط والإعلام والعدل. وإذا ما صحت هذه القائمة، فإننا أمام ضربة استثنائية غير مسبوقة تطاول الواجهة السياسية للجماعة وتكشف عن اختراق أمني كبير.
  • الارتباك الحوثي ولماذا الرهوي دون غيره؟
في تصريحي لـ إندبندنت عربية أوضحت أن مقتل الرهوي بحد ذاته يثير التساؤلات: هل كان ضربة مقصودة لشخصية هامشية كـ”رسالة إنذارية”، أم أن هناك إخفاقًا استخباراتيًا في بنك الأهداف الإسرائيلي؟

الرهوي، في نهاية المطاف، ليس من القيادات العقائدية أو الرموز المرتبطة بالسلالة الحوثية، ولا محسوبًا على الدائرة الضيقة للجماعة. ظل أقرب إلى شخصية إدارية – سياسية ثانوية. لذلك، فإن التركيز على مقتله، بينما يسقط معه وزراء أكثر أهمية في الهيكل الإداري، يفضح مفارقة لافتة في الخطاب الحوثي. فالجماعة التي سارعت إلى وصف الغارات بأنها “فاشلة” وجدت نفسها مضطرة للتعتيم على الخسائر، في محاولة للتخفيف من وقع الحدث على جمهورها. النتيجة كانت خطابًا مزدوجًا يقوم على إنكار الخسائر من جهة، والتأكيد غير المباشر أن "القيادات المهمة" لم تُصب من جهة أخرى.
  • رسائل إسرائيلية وهواجس الاختراق
قراءة الحدث تسمح باحتمالين رئيسيين:

1 . رسالة إنذارية إسرائيلية: إثبات القدرة على الوصول إلى العمق الحوثي، ولو عبر استهداف قيادات من المستوى الثاني، تمهيدًا لاحقًا لتوسيع بنك الأهداف.

2 . هواجس الاختراق الحوثية: أن الاعتراف بسقوط هذا العدد من الوزراء سيُفهم كبداية لاختراق واسع يهدد الصف الأول العقائدي، بما فيه أعضاء اللجنة الثورية العليا والجناح العسكري الديني المتصل مباشرة بإيران وحزب الله.
  • إيران وحزب الله في قلب المعادلة
لا يمكن قراءة ما جرى في صنعاء بمعزل عن السياق الإقليمي. فإيران التي تقدم نفسها كحامية لـ “محور المقاومة” تجد نفسها الآن أمام معضلة: الاعتراف بسقوط هذا العدد من قيادات الحوثيين يعني الكشف عن هشاشة حليفها الأبرز في جنوب الجزيرة، بينما الصمت المفرط قد يضعف صدقية خطابها التعبوي. أما حزب الله، فيتابع هو الآخر بحذر، إذ إن نجاح إسرائيل في إحداث اختراق أمني بهذا الحجم في صنعاء يفتح شهية تل أبيب لمحاكاة النموذج ذاته في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في مسارح أخرى للنفوذ الإيراني.
  • انعكاسات على أمن البحر الأحمر والخليج
أكثر ما يخشاه الإقليم أن يدفع التصعيد الحوثيين إلى استخدام ورقة الممرات البحرية. فالرد عبر البحر الأحمر أو استهداف الموانئ الإسرائيلية بطائرات مسيّرة سيضع أمن الطاقة وخطوط التجارة العالمية على المحك، ويدفع دول الخليج ومصر إلى إعادة تقييم مواقفها. عندها لن تبقى المواجهة بين الحوثيين وإسرائيل فحسب، بل قد تتحول إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتشابك فيها حسابات واشنطن وطهران وتضطر الأطراف العربية إلى تحديد موقعها بين الردع والتصعيد.
  • تداعيات واحتمالات التصعيد
في مداخلتي على قناة القاهرة الإخبارية شددت على أن ما جرى ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من مرحلة اختبار الإرادات بين الحوثيين وإسرائيل. من هنا تتضح الاحتمالات:

• أن تبقى الضربات في إطار “الرسائل المتبادلة” الدعائية.

• أو أن تكون مقدمة لمسار تصعيدي نوعي يستهدف القيادات العقائدية الصلبة.

• في المقابل، قد يرد الحوثيون بتوسيع دائرة الاستهداف في البحر الأحمر، أو عبر هجمات بالطائرات المسيّرة ضد الموانئ والمدن الإسرائيلية، في محاولة لفرض معادلة ردع متبادلة.
  • الخلاصة
حادثة استهداف صنعاء الأخيرة تكشف أن المواجهة لم تعد رمزية فحسب، بل مسّت البنية الوزارية للحكومة الحوثية غير الشرعية. إسرائيل تسعى إلى تأكيد تفوقها الاستخباراتي وقدرتها على الاختراق، والحوثيون يردّون بخطاب إنكار وتعتيم. لكن خلف هذا المشهد، يظل السؤال الأكبر معلقًا: هل هي بداية مسار جديد يضع الحوثيين في قلب مواجهة مباشرة مع إسرائيل، أم أننا أمام جولة أخرى من "حرب الرسائل" التي تخدم الدعاية أكثر مما تغيّر موازين القوى؟.