في بلد كاليمن، لم يعد الفساد مجرد سلوك ممنهج أو انحراف فردي داخل أروقة الدولة، بل تحول إلى نسق مؤسسي وجزء لا يتجزأ من البنية الإدارية والسياسية والاقتصادية، حتى صار الفساد نفسه هو القاعدة، وأصبح الإصلاح الاستثناء الذي ينظر إليه بشك وريبة. فالدولة اليمنية، التي كانت تئن أصلاً تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، وقعت خلال العقود الأخيرة ضحية مأسسة الفساد، وأصبح هذا الأخير يتغذى من ضعف الدولة، فيما يغذي هو بدوره مزيداً من الضعف والانهيار.
إن المشكلة لا تكمن فقط في وجود فاسدين داخل الدولة، بل في أن الدولة نفسها باتت في كثير من الأحيان تعمل كغطاء قانوني وإداري لتدوير الفساد وتأمينه وتوسيعه. فمنذ السبعينات والثمانينات، بدأ الفساد يتسلل بهدوء إلى الإدارات، حتى غدا قاعدة غير مكتوبة تحكم العلاقة بين الموظف والمواطن، والمسؤول والمال العام، والسلطة ومراكز النفوذ. وفي غياب الشفافية والمحاسبة، أصبح ارتكاب الفساد لا يكلف شيئاً، بينما مقاومته قد تكلف الحياة، أو على الأقل الوظيفة والسمعة. وازداد الأمر سوءاً بعد اندلاع الحرب والانقسام السياسي الحاد، حيث انهارت المؤسسات الرقابية والقضائية، وضعف حضور الدولة المركزية، وانقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة، كل واحدة تدار بعقيدة سياسية ومصالح مختلفة، لكن الفساد ظل قاسماً مشتركاً يوحد الجميع.
لقد فشلت كافة الخطابات والإعلانات الرسمية عن محاربة الفساد، لأنها لم تكن سوى حيل سياسية للاستهلاك الإعلامي، أو أدوات لتصفية خصوم سياسيين، أو وسائل لتجميل صورة أنظمة فاشلة أمام الخارج. إذ لم تكن هناك إرادة حقيقية، ولم تكن الأدوات موجودة أو مفعلة. الهيئات الرقابية كانت في الغالب تابعة للسلطة ذاتها التي يفترض أن تراقبها، والقضاء غالباً ما كان واقعاً تحت سيطرة السلطة التنفيذية أو رهينة الابتزاز والفساد نفسه، والإعلام إما مكمماً أو مرتهناً بدوره لمراكز النفوذ المالي والسياسي. بل أكثر من ذلك، فإن الفساد ذاته أصبح آلية لتسيير شؤون الدولة، يتم من خلاله تمرير القرارات، وبناء التحالفات، وضمان الولاءات، وتمويل الحروب، وتسكين الغضب الشعبي. كيف يمكن إذن إصلاح مؤسسة تستخدم الفساد كأداة للبقاء؟ وكيف يمكن إقناع المجتمع بأن محاربة الفساد ممكنة، في حين أن النماذج الناجحة محدودة، والنماذج الفاسدة هي الطاغية والمزدهرة؟
أمام هذا الانسداد، لا بد من إعادة النظر جذرياً في أدوات التعامل مع الفساد، وتجاوز العقلية التي تتعامل معه كعدو يقضى عليه مرة واحدة بقرارات مركزية أو بخطابات عاطفية. لقد ثبت أن هذه المقاربات الشاملة لا تصلح في بيئة كاليمن، حيث الدولة هشة، والثقة منعدمة، والموارد شحيحة، والمجتمع متشظ. وهنا تحديدًا تبرز استراتيجية التركيز كخيار واقعي، لأنها تنسجم مع محدودية الإمكانيات، وتستجيب لتعقيدات الواقع، وتمنح فرصًا ملموسة لبناء الثقة من جديد.
استراتيجية التركيز تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الفعالية: أن لا تذهب إلى كل مكان، بل اذهب إلى المكان الصحيح. لا تحارب كل الفساد دفعة واحدة، بل اختر نقطة واحدة قابلة للاختراق، ذات أهمية رمزية أو عملية عالية، وابدأ منها. هذه الاستراتيجية تتخلى عن فكرة الإصلاح الشامل لصالح الإصلاح المركز، حيث يختار قطاع واحد فقط أو مؤسسة بعينها تعاني من فساد واضح، وتسخر كافة الجهود والموارد لكشف هذا الفساد، وفضحه، ومحاسبة المتورطين فيه، وفرض إصلاحات داخلية دقيقة ومحددة، تكون قابلة للقياس والتقييم.
نأخذ على سبيل المثال قطاع الجمارك والموانئ، وهو أحد أكثر القطاعات فساداً في اليمن، وأحد أكبر مصادر تسرب المال العام. في هذا القطاع، تحدث يومياً عمليات تلاعب ضخمة في التخمين الجمركي، وتمرر بضائع دون رسوم، وتقدم رشاوى، وتمنح تسهيلات غير قانونية، وكل ذلك يتم تحت أعين السلطات. لا تتطلب محاربة الفساد هنا قرارات شاملة، بل تركيزاً على نقطة واحدة: ميناء معين، أو منفذ بعينه، يتم فيه تطبيق نظام رقابي جديد، أو رقمنة للمعاملات، أو تغيير جذري في الطاقم الإداري، (أو حتى استدعاء هيئة رقابة خارجية للإدارة والإشراف على التحصيل). الهدف هنا ليس فقط تحسين الأداء في هذه النقطة، بل خلق نموذج يبرهن أن التغيير ممكن، وأن المحاسبة ليست وهماً، وأن الإدارة النزيهة ليست خرافة.
كما يمكن استخدام التركيز بطريقة أخرى أكثر رمزية: التركيز على شخصية فاسدة ذات وزن سياسي أو إداري، وفتح تحقيق شفاف معها أمام الرأي العام، ومحاكمتها بشكل قانوني وعادل، ونشر تفاصيل هذه المحاكمة. في السياق اليمني، حيث الناس فقدوا الثقة تماماً في قدرة الدولة على محاسبة الفاسدين، فإن رؤية مسؤول كبير يحاسب أمام الناس ستكون لها قيمة نفسية وسياسية هائلة. إنها تقول للمجتمع: لا أحد فوق القانون.
لكن الابتكار في استراتيجية التركيز يمكن أن يذهب أبعد من ذلك. فبدلاً من ملاحقة الفساد وحده، يمكن التركيز أيضًا على النزاهة وإبراز رموزها. تسليط الضوء على موظفين ومسؤولين نزيهين عبر الإعلام والمجتمع يجعل النزاهة نفسها رأس مال اجتماعياً يطمح الناس إلى تقليده. كما يمكن للمجتمع أن يكون شريكاً مباشراً عبر منصات رقمية مجتمعية لرصد الفساد بشكل آمن وسري، بحيث تتحول الشكاوى الفردية إلى قاعدة بيانات مركزية ترشد التركيز نحو البؤر الأكثر خطورة. بل يمكن تحويل مكافحة الفساد إلى فرصة اقتصادية، عبر تشجيع شركات ناشئة محلية متخصصة في الشفافية والرقابة الإلكترونية، بحيث تصبح النزاهة مجالاً للاستثمار، لا مجرد شعار سياسي.
كذلك يمكن أن تتجسد استراتيجية التركيز في مشاريع تجريبية صغيرة تنفذ في مؤسسات محددة، لتصبح نماذج عملية قابلة للاستنساخ. كما يمكن تعزيز الأثر عبر العار الاجتماعي المنظم، أي صناعة ثقافة ترى في الفساد وصمة أخلاقية تلاحق مرتكبيه، وهو ما يمكن أن يفعله الإعلام والفن والدراما بفعالية كبيرة. أما على مستوى السلطة، فيمكن تطبيق مبدأ التدوير الزمني للمناصب الحساسة بفترات قصيرة ومحددة، ما يمنع تكوين شبكات فساد طويلة الأمد.
غير أن التركيز لا يمكن أن ينجح من دون تحالفات داعمة. يجب أن تكون هناك كتلة صلبة تعمل معاً، ولو كانت صغيرة، تضم قضاة نزيهين، وصحفيين استقصائيين، وموظفين داخل الجهاز المستهدف مستعدين لكشف ما يعرفونه، ونشطاء حقوقيين قادرين على تحريك الرأي العام. هذه الكتلة تعد نواة للمقاومة المؤسسية للفساد، وتوفر المعلومات، وتضبط الأدلة، وتحمي الشهود، وتؤمن الضغط الإعلامي اللازم. وقد تتلقى هذه الكتلة دعماً فنياً من شركاء دوليين أو منظمات تعمل في اليمن، وهو دعم ضروري في ظل ضعف القدرات المحلية.
إن النجاح في تطبيق استراتيجية التركيز لا يرتبط بعدد الملفات المفتوحة، بل بجودة الإنجاز في الملف الواحد. ليس المهم أن تفتح عشرين ملف فساد في عشرين جهة، بل أن تفتح ملفًا واحدًا وتذهب فيه إلى أقصى نقطة: كشف، تحقيق، محاكمة، إصلاح، ثم توثيق التجربة وتعميم الدروس المستفادة. وكلما نجحت تجربة، أصبحت نموذجاً ملهماً يمكن نسخه في مؤسسة أخرى، ثم أخرى، فيتحقق التغيير بالتراكم لا بالصدمة.
كما أن لنجاح استراتيجية التركيز شروطاً أساسية لا بد من توافرها. أولها وجود إرادة سياسية، وإن كانت محدودة، لكنها حقيقية ومحمية. ثانياً، لا يمكن للتركيز أن ينجح من دون إعلام مهني وحر، لأنه وحده القادر على نقل الوقائع، وفضح التجاوزات، وتحفيز الناس على الاهتمام، وحماية الحقائق من التزييف. وثالثاً، من المهم ربط التركيز بشراكات مع المجتمع الدولي، لا لمصادرة القرار، بل لتأمين الحماية، والحصول على الخبرة، وربما الضغط على السلطات لتوفير الحد الأدنى من البيئة الملائمة.
الأهم من كل ذلك، أن التركيز لا يحدث فقط تغييرًا في النتائج، بل تغييراً في الثقافة. فحين يرى المواطن أن مسؤولاً تمت محاسبته بصدق، وأن مؤسسة أو وزارة تم إصلاحها، وصفقة تم إلغاؤها لأنها فاسدة، هنا تبدأ علاقة المواطن بالدولة في التغير. يعود الإيمان بأن الدولة ليست بالضرورة عدوة، وأن العدالة ليست حلمًا بعيد المنال. ويبدأ الفاسدون بالشعور بالخطر، لأن الحصانة التي اعتادوا عليها بدأت تتآكل. وبذلك، يزرع التركيز بذور التحول، ليس فقط في الأداء، بل في الوعي الجمعي ذاته.
إن اختراق منظومة فساد بهذا العمق لا يحتاج إلى قرارات شاملة ومجردة، بل إلى خطوة ذكية ومدروسة تبدأ من نقطة قابلة للكسر. ففي عالم تغلب عليه التعقيدات، يكون التركيز هو الخيط الذي يمسك به ليسحب باقي العقدة. واليمن، رغم كل الانهيار، لا يزال فيه من يصرخ، ويكتب، ويبلغ، ويقاتل من أجل استعادة دولة محترمة وعادلة. وهؤلاء، إن وجدوا الاستراتيجية الصحيحة، والتحالف المناسب، قد يصنعون الفارق، ولو من نقطة واحدة.
وبهذا المعنى، فإن استراتيجية التركيز ليست ترفًا تنظيريًا، بل هي ربما (الفرصة الأخيرة) لإحداث أثر في بيئة منهارة، حيث كل ما هو شامل مستحيل، وكل ما هو جزئي يمكن أن يبنى عليه. إنها ليست وصفة سحرية، لكنها الطريقة الوحيدة لبدء التغيير من مكان واقعي ومحدد. وكما في الطب، فإن الجراح الماهر لا يحاول علاج كل الجسم دفعة واحدة، بل يبدأ من مكان واحد، يوقف النزيف، ويمنع العدوى، ويعيد النبض تدريجياً.
فهل يبدأ اليمن عملية إنقاذه من نقطة واحدة؟ وهل يجرؤ على التركيز؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في وجود فاسدين داخل الدولة، بل في أن الدولة نفسها باتت في كثير من الأحيان تعمل كغطاء قانوني وإداري لتدوير الفساد وتأمينه وتوسيعه. فمنذ السبعينات والثمانينات، بدأ الفساد يتسلل بهدوء إلى الإدارات، حتى غدا قاعدة غير مكتوبة تحكم العلاقة بين الموظف والمواطن، والمسؤول والمال العام، والسلطة ومراكز النفوذ. وفي غياب الشفافية والمحاسبة، أصبح ارتكاب الفساد لا يكلف شيئاً، بينما مقاومته قد تكلف الحياة، أو على الأقل الوظيفة والسمعة. وازداد الأمر سوءاً بعد اندلاع الحرب والانقسام السياسي الحاد، حيث انهارت المؤسسات الرقابية والقضائية، وضعف حضور الدولة المركزية، وانقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة، كل واحدة تدار بعقيدة سياسية ومصالح مختلفة، لكن الفساد ظل قاسماً مشتركاً يوحد الجميع.
لقد فشلت كافة الخطابات والإعلانات الرسمية عن محاربة الفساد، لأنها لم تكن سوى حيل سياسية للاستهلاك الإعلامي، أو أدوات لتصفية خصوم سياسيين، أو وسائل لتجميل صورة أنظمة فاشلة أمام الخارج. إذ لم تكن هناك إرادة حقيقية، ولم تكن الأدوات موجودة أو مفعلة. الهيئات الرقابية كانت في الغالب تابعة للسلطة ذاتها التي يفترض أن تراقبها، والقضاء غالباً ما كان واقعاً تحت سيطرة السلطة التنفيذية أو رهينة الابتزاز والفساد نفسه، والإعلام إما مكمماً أو مرتهناً بدوره لمراكز النفوذ المالي والسياسي. بل أكثر من ذلك، فإن الفساد ذاته أصبح آلية لتسيير شؤون الدولة، يتم من خلاله تمرير القرارات، وبناء التحالفات، وضمان الولاءات، وتمويل الحروب، وتسكين الغضب الشعبي. كيف يمكن إذن إصلاح مؤسسة تستخدم الفساد كأداة للبقاء؟ وكيف يمكن إقناع المجتمع بأن محاربة الفساد ممكنة، في حين أن النماذج الناجحة محدودة، والنماذج الفاسدة هي الطاغية والمزدهرة؟
أمام هذا الانسداد، لا بد من إعادة النظر جذرياً في أدوات التعامل مع الفساد، وتجاوز العقلية التي تتعامل معه كعدو يقضى عليه مرة واحدة بقرارات مركزية أو بخطابات عاطفية. لقد ثبت أن هذه المقاربات الشاملة لا تصلح في بيئة كاليمن، حيث الدولة هشة، والثقة منعدمة، والموارد شحيحة، والمجتمع متشظ. وهنا تحديدًا تبرز استراتيجية التركيز كخيار واقعي، لأنها تنسجم مع محدودية الإمكانيات، وتستجيب لتعقيدات الواقع، وتمنح فرصًا ملموسة لبناء الثقة من جديد.
استراتيجية التركيز تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الفعالية: أن لا تذهب إلى كل مكان، بل اذهب إلى المكان الصحيح. لا تحارب كل الفساد دفعة واحدة، بل اختر نقطة واحدة قابلة للاختراق، ذات أهمية رمزية أو عملية عالية، وابدأ منها. هذه الاستراتيجية تتخلى عن فكرة الإصلاح الشامل لصالح الإصلاح المركز، حيث يختار قطاع واحد فقط أو مؤسسة بعينها تعاني من فساد واضح، وتسخر كافة الجهود والموارد لكشف هذا الفساد، وفضحه، ومحاسبة المتورطين فيه، وفرض إصلاحات داخلية دقيقة ومحددة، تكون قابلة للقياس والتقييم.
نأخذ على سبيل المثال قطاع الجمارك والموانئ، وهو أحد أكثر القطاعات فساداً في اليمن، وأحد أكبر مصادر تسرب المال العام. في هذا القطاع، تحدث يومياً عمليات تلاعب ضخمة في التخمين الجمركي، وتمرر بضائع دون رسوم، وتقدم رشاوى، وتمنح تسهيلات غير قانونية، وكل ذلك يتم تحت أعين السلطات. لا تتطلب محاربة الفساد هنا قرارات شاملة، بل تركيزاً على نقطة واحدة: ميناء معين، أو منفذ بعينه، يتم فيه تطبيق نظام رقابي جديد، أو رقمنة للمعاملات، أو تغيير جذري في الطاقم الإداري، (أو حتى استدعاء هيئة رقابة خارجية للإدارة والإشراف على التحصيل). الهدف هنا ليس فقط تحسين الأداء في هذه النقطة، بل خلق نموذج يبرهن أن التغيير ممكن، وأن المحاسبة ليست وهماً، وأن الإدارة النزيهة ليست خرافة.
كما يمكن استخدام التركيز بطريقة أخرى أكثر رمزية: التركيز على شخصية فاسدة ذات وزن سياسي أو إداري، وفتح تحقيق شفاف معها أمام الرأي العام، ومحاكمتها بشكل قانوني وعادل، ونشر تفاصيل هذه المحاكمة. في السياق اليمني، حيث الناس فقدوا الثقة تماماً في قدرة الدولة على محاسبة الفاسدين، فإن رؤية مسؤول كبير يحاسب أمام الناس ستكون لها قيمة نفسية وسياسية هائلة. إنها تقول للمجتمع: لا أحد فوق القانون.
لكن الابتكار في استراتيجية التركيز يمكن أن يذهب أبعد من ذلك. فبدلاً من ملاحقة الفساد وحده، يمكن التركيز أيضًا على النزاهة وإبراز رموزها. تسليط الضوء على موظفين ومسؤولين نزيهين عبر الإعلام والمجتمع يجعل النزاهة نفسها رأس مال اجتماعياً يطمح الناس إلى تقليده. كما يمكن للمجتمع أن يكون شريكاً مباشراً عبر منصات رقمية مجتمعية لرصد الفساد بشكل آمن وسري، بحيث تتحول الشكاوى الفردية إلى قاعدة بيانات مركزية ترشد التركيز نحو البؤر الأكثر خطورة. بل يمكن تحويل مكافحة الفساد إلى فرصة اقتصادية، عبر تشجيع شركات ناشئة محلية متخصصة في الشفافية والرقابة الإلكترونية، بحيث تصبح النزاهة مجالاً للاستثمار، لا مجرد شعار سياسي.
كذلك يمكن أن تتجسد استراتيجية التركيز في مشاريع تجريبية صغيرة تنفذ في مؤسسات محددة، لتصبح نماذج عملية قابلة للاستنساخ. كما يمكن تعزيز الأثر عبر العار الاجتماعي المنظم، أي صناعة ثقافة ترى في الفساد وصمة أخلاقية تلاحق مرتكبيه، وهو ما يمكن أن يفعله الإعلام والفن والدراما بفعالية كبيرة. أما على مستوى السلطة، فيمكن تطبيق مبدأ التدوير الزمني للمناصب الحساسة بفترات قصيرة ومحددة، ما يمنع تكوين شبكات فساد طويلة الأمد.
غير أن التركيز لا يمكن أن ينجح من دون تحالفات داعمة. يجب أن تكون هناك كتلة صلبة تعمل معاً، ولو كانت صغيرة، تضم قضاة نزيهين، وصحفيين استقصائيين، وموظفين داخل الجهاز المستهدف مستعدين لكشف ما يعرفونه، ونشطاء حقوقيين قادرين على تحريك الرأي العام. هذه الكتلة تعد نواة للمقاومة المؤسسية للفساد، وتوفر المعلومات، وتضبط الأدلة، وتحمي الشهود، وتؤمن الضغط الإعلامي اللازم. وقد تتلقى هذه الكتلة دعماً فنياً من شركاء دوليين أو منظمات تعمل في اليمن، وهو دعم ضروري في ظل ضعف القدرات المحلية.
إن النجاح في تطبيق استراتيجية التركيز لا يرتبط بعدد الملفات المفتوحة، بل بجودة الإنجاز في الملف الواحد. ليس المهم أن تفتح عشرين ملف فساد في عشرين جهة، بل أن تفتح ملفًا واحدًا وتذهب فيه إلى أقصى نقطة: كشف، تحقيق، محاكمة، إصلاح، ثم توثيق التجربة وتعميم الدروس المستفادة. وكلما نجحت تجربة، أصبحت نموذجاً ملهماً يمكن نسخه في مؤسسة أخرى، ثم أخرى، فيتحقق التغيير بالتراكم لا بالصدمة.
كما أن لنجاح استراتيجية التركيز شروطاً أساسية لا بد من توافرها. أولها وجود إرادة سياسية، وإن كانت محدودة، لكنها حقيقية ومحمية. ثانياً، لا يمكن للتركيز أن ينجح من دون إعلام مهني وحر، لأنه وحده القادر على نقل الوقائع، وفضح التجاوزات، وتحفيز الناس على الاهتمام، وحماية الحقائق من التزييف. وثالثاً، من المهم ربط التركيز بشراكات مع المجتمع الدولي، لا لمصادرة القرار، بل لتأمين الحماية، والحصول على الخبرة، وربما الضغط على السلطات لتوفير الحد الأدنى من البيئة الملائمة.
الأهم من كل ذلك، أن التركيز لا يحدث فقط تغييرًا في النتائج، بل تغييراً في الثقافة. فحين يرى المواطن أن مسؤولاً تمت محاسبته بصدق، وأن مؤسسة أو وزارة تم إصلاحها، وصفقة تم إلغاؤها لأنها فاسدة، هنا تبدأ علاقة المواطن بالدولة في التغير. يعود الإيمان بأن الدولة ليست بالضرورة عدوة، وأن العدالة ليست حلمًا بعيد المنال. ويبدأ الفاسدون بالشعور بالخطر، لأن الحصانة التي اعتادوا عليها بدأت تتآكل. وبذلك، يزرع التركيز بذور التحول، ليس فقط في الأداء، بل في الوعي الجمعي ذاته.
إن اختراق منظومة فساد بهذا العمق لا يحتاج إلى قرارات شاملة ومجردة، بل إلى خطوة ذكية ومدروسة تبدأ من نقطة قابلة للكسر. ففي عالم تغلب عليه التعقيدات، يكون التركيز هو الخيط الذي يمسك به ليسحب باقي العقدة. واليمن، رغم كل الانهيار، لا يزال فيه من يصرخ، ويكتب، ويبلغ، ويقاتل من أجل استعادة دولة محترمة وعادلة. وهؤلاء، إن وجدوا الاستراتيجية الصحيحة، والتحالف المناسب، قد يصنعون الفارق، ولو من نقطة واحدة.
وبهذا المعنى، فإن استراتيجية التركيز ليست ترفًا تنظيريًا، بل هي ربما (الفرصة الأخيرة) لإحداث أثر في بيئة منهارة، حيث كل ما هو شامل مستحيل، وكل ما هو جزئي يمكن أن يبنى عليه. إنها ليست وصفة سحرية، لكنها الطريقة الوحيدة لبدء التغيير من مكان واقعي ومحدد. وكما في الطب، فإن الجراح الماهر لا يحاول علاج كل الجسم دفعة واحدة، بل يبدأ من مكان واحد، يوقف النزيف، ويمنع العدوى، ويعيد النبض تدريجياً.
فهل يبدأ اليمن عملية إنقاذه من نقطة واحدة؟ وهل يجرؤ على التركيز؟















