حين يُعيَّن شاب في منصب حساس، ثم يُقدّم استقالته بعد أشهر قليلة، فالمسألة لا تتعلق بشخصه وحده، بل بطريقة الدولة في التعامل مع الشباب داخل مواقع القرار.

استقالة سالم ثابت العولقي من رئاسة الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، بعد محاولات إصلاحية واجهت تدخلات وعرقلات، ليست مجرد خبر إداري، بل مرآة تكشف خللًا في هندسة العلاقة بين الحماسة والخبرة، بين التفويض والحماية، بين الطموح والواقع.

الشباب لا يُطلب منهم أن يكونوا خارقين، بل أن يُمنحوا فرصة نضج آمن. حين يُلقى على عاتقهم ملف متخم بالتعقيدات، مثل ملف العقار، دون أدوات مؤسسية تحميهم، فإن النتيجة غالبًا ما تكون انسحابًا لا هزيمة، وصمتًا لا فشل. ملف الأراضي ليس سهلًا، بل هو من أكثر الملفات تشابكًا: مصالح متداخلة، أرشيف طويل من التجاوزات، غياب واضح للرقابة، وتضارب في الصلاحيات. يحتاج إلى حنكة، وتؤدة، وتدرّج في اتخاذ القرار، لا إلى اندفاع يُستهلك في أول منعطف.

حين يُعيّن شاب في هذا الملف، دون خارطة مخاطر واضحة، أو تحصين قانوني يحمي قراراته، أو دعم سياسي يُعلن تفويضه بوضوح، فإننا لا نمنحه فرصة، بل نضعه في مرمى النيران. الإصلاح لا يبدأ بالقرارات الجريئة، بل بهندسة مؤسسية تسبق القرار، وتُهيّئ الأرضية لتفكيك العقد، وتراكم المكاسب الصغيرة، وتُحوّل كل خطوة إلى نقطة ارتكاز لا إلى معركة استنزاف.

ما حدث مع العولقي يُعيد طرح السؤال: كيف نُولّي الشباب؟ هل نُعطيهم المناصب ليُثبتوا جدارتهم، أم لنُحمّلهم وزر منظومة لم تُصلح نفسها؟ هل نُريد منهم أن ينجزوا، أم أن يصمدوا؟ وهل نُدرك أن الصمود نفسه يحتاج إلى أدوات، لا إلى شعارات؟

الانسحاب في هذه الحالة ليس تراجعًا، بل إعلان بأن الشروط غير مكتملة. وأن الإصلاح لا يُنجز بالنية وحدها، بل بالبيئة التي تحمي النية وتُحوّلها إلى فعل. الشباب لا يحتاجون إلى مناصب فقط، بل إلى مساحات تعلم، وتدرّج، وتوازن بين الحماسة والخبرة. لا نُريد أن نحرق المراحل، ولا أن نحرق الشباب.

الدرس هنا ليس في اسم المستقيل، بل في طريقة التعيين، وفي غياب الرؤية التي تضمن أن الشاب لا يُستهلك قبل أن يُنتج، ولا يُنهك قبل أن يُنجز. إن أردنا شبابًا يصمدون في المواقع الثقيلة، فعلينا أن نُصلح الطريقة التي نُسند بها هذه المواقع: خبرة تتكوّن بالتدرّج، صلاحيات مُحصّنة، أهداف قابلة للقياس، زمنٌ يُحتمل. وإلا سنكرّر الدورة ذاتها: تعيين مبهر، مقاومة عاتية، إنهاك سريع، واستقالة تُضاف إلى سجل مؤسّسة لم تتعلم بعد أن الإصلاح ليس بطولة فرد بل هندسة دولة.

ولستُ هنا أُشكّك في جدارة الشباب أو أُعارض توليتهم المناصب، بل أُدافع عنها بوصفها ضرورة لا ترفًا. لكن التمكين الحقيقي لا يكون بالقفز فوق المراحل، بل بالتدرّج الذي يُنضج التجربة، ويُحصّن القرار، ويمنحهم فرصة الصمود لا الاستهلاك. فالشباب لا يُحتاج إليهم في الصور، بل في البناء، ولا في العناوين، بل في العمق. ومن أجل ذلك، لا بد أن نُصلح الطريقة قبل أن نُسلّم الموقع. لأننا إن لم نفعل، سنخسرهم قبل أن نراهم يُنجزون.