تعز ليست مجرد خرائط على ورق؛ هي جرح يتنفس. في شوارعها تتعانق العتمة مع رائحة البن الملوّث بقذائفٍ لم تأتي من السماء وحدها، بل جاءت أيضاً من إهمالٍ ظلّ ينسّج في الظلّ خيوط الفوضى. لا مكانٌ هنا للاطمئنان؛ حتى الموت يسير فيها معتاداً على الطرقات، لا يختار زماناً ولا يربط له موعدًا سوى برصاصٍ بارد... قبل أيام فقدت تعز ونساء اليمن افتهان المشهري والتي كانت على رأس أكبر جهة إيرادية تدُر مالًا وفيرًا على المحافظة وعلى بعض قياداتها التي أتفقوا أن يعدموها ميدانيًا بعد أن قطعت بهم السبل للإفراج عن سرقاتهم ليل نهار من هذه الجهة الإيرادية وإقناع إفتهان بالمضي قُدما في فسادهم والذي فاح حتى أتت ومسكت بزمام الأمور وتوقف كل هذه المهزلة.
في صباحٍ مهلهل من عام 2018، قتل زميلٌ للإنسانية: حنا لحود، موظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بينما كان يؤدي عمله في خدمة المحتجزين. قُتل برصاصٍ لم تكشف هويته بعد لدى كثيرين، وبقيت صورته شاهدةً على أن ثمن العمل الإنساني قد يكون حياةً تُزهق بلا مساءلة كافية. تقارير من اللجنة الدولية والوكالات العالمية وثّقت الحادثة وأجمعت على وقوعه على أطراف المدينة، وما زالت صور الرجل تهمس بما لا ينبغي أن تهمس به مدينة تحترم نفسها: أن الأمن هنا هشّ، وأنّ القتلة قد لا يواجهون تحقيقاً شفافاً بالسرعة التي تليق بجريمة على هذه الشاكلة.
وهنا تكمن المأساة: ليس فقط في قسوة الحدث، بل في شيء أعمق في صمت المؤسسة وسؤال: لمن تُقدَّم المدينة؟ هل لساكنيها الذين فقدوا عزّتهم أم لأزمات تُدار من وراء منابرٍ تبرّر التقصير باسم أولوية أو استثناء؟ المدينة تئن من قِصور في الأمن كما تئن من انقطاع الماء والكهرباء، لكنّ الأول يبقى ثغرة تنفّس فيها كل أشكال العنف.
المنظمات الدولية نفسها لا تتكلّم سراً: تعز مكان خطِر. قياديوها يعترفون بصعوبة الوصول وبقيود الحركة أمام موظفي الإغاثة؛ منسقون أمميون تحدثوا عن خطورة الوضع وصعوبة العمل الآمن داخل المدينة منذُ 10 سنوات، وهو ما انعكس على إجراءات تقنين الزيارات وحصرها في مدّة قصيرة ومحدّدة لأجل السلامة. هذه المعطيات مترسّخة في تقارير ومواقف منظّمات إنسانية رصدت صعوبة إيصال المساعدات والوصول الآمن للسكان.
ولعلّ الحكاية الشخصية تقرع الناقوس أقوى: في 2021 كنّا ضمن وفدٍ أممي في تعز برفقة المنسق الأممي آنذاك دييجو زورّيا، وقد طُلب منا الجلوس فيها لساعتين فقط، لا لشيء إلا لأن خوف الجهات الدولية من طول البقاء في المدينة كان أصدق من وعود السلطة المحلية بتثبيت الأمن. لا أذكر أن أحدًا عرض علينا خطة أمنية طويلة الأمد؛ ما عرض علينا كان مقاعد قصيرة، ووقت مقطّع، وابتسامات رسميةٍ تشبه أختامًا بلا مضمون. هذه شهادةٌ لا تحتاج لإثبات أكثر من كونها تجربة عايشناها لكنها تتقاطع مع إقرارات رسمية عن تعذّر العمل البشري داخل المدينة.
أيّ سلطة تفرح بفوضىٍ على حساب الناس؟ ما قيمة مناصب تُسدَّد بالأحجية عندما تكون حياة المواطن أرخص من مطالبة إدارية؟
أكتب هذا لأقول: أنتم لم تُجرِّدونا فقط من الأمان، بل جرّدتم المدينة من صورتها الإنسانية. أنتم تكتفون بالبلاغات والصور الرسمية، وتتركوا أمن المدينة. عندما يموت حنا لحود، لا يموت شخصٌ فحسب، بل تموت أمامنا براءة من نوع نادر: براءة القيام بالواجب الإنساني دون أن تكون عرضة للرصاص. وعندما تجبرون زائرات وزوّارًا أمميين على "جلساتٍ قصيرة" خوفًا على سلامتهم، فذلك دليل على فشل مزدوج: فشل في حمايتهم، وفشل في حماية موقفكم الوطني الذي يتغنى به البعض.
لن أكتب هنا ما قد يدعو للعنف. سأكتب ما يغضب السلطة ربما أكثر: الحقيقة الصافية. المدينة لا تُعاد إلى دربها بالوعود وحدها، ولا تكون مصانةً ببيانات لا تُترجم إلى أفعَال ملموسة. الأمن هو قرار، وإذا لم يكن قراركم واضحاً وحازماً، فاعلموا أن التاريخ سيحفظ لكم سلوك الهروب من المسؤولية قبل أن يحفظ لكم أسمائكم.
تخيّلوا شارعًا بلا أسماء، الأسماء هناك دماءٌ مختزلة على جدران المنازل. تخيّلوا بيتاً تحاصره قذائف لا لسبب سوى أن أحدهم قرّر أن المدينة ساحة مفتوحة لكل خصوماته. تخيّلوا طفلًا يسأل عن الماء بينما خرائط المسؤولين تشير إلى ميزانيات تُستهلَك في مكانٍ آخر. هذا المشهد ليس تصميماً طوباويًّا، بل واقع تعز الذي يصرخ: أين من يمنحنا الاستقرار؟
حين يختفي التحقيق، أو يتباطأ، أو يُستبدل بالبيانات الرسمية الفارغة، فإنّ من يموت هو عدالة المدينة أولًا، ثم مستقبلها. وكم من مرةٍ سمعتُ عبارة: "نعمل على معالجة الأمر"؟ العمل الحقيقي ليس عبارة؛ العمل هو تحقيق شفاف، توقيف للمجرمين، حماية للمواطن، وإصلاح جذري يستبدل الاستجابة المؤقتة بحلول دائمة.
أُخاطب السلطة المحلية: إنّ تعز ليست ساحةً للمزايدة السياسية، ولا أوراقًا تُوزّع وفق جدول أعمال خارجي. إنّها مواطنون لهم أسماء ووجوه، لها حقوق في الأمن والوصول إلى الخدمات والكرامة اليومية. أطالبكم ليس من باب الانتقام بمعناه العنيف، بل من باب محاسبة الذات أن توقفوا هذا العَرَض الخطِر من الانفلات. ثبتوا الأمن، فتحققوا بشفافية في جرائمٍ كبَرَت حتى صارت عالماً قائماً بذاته، واحملوا مسؤولياتكم كاملةً أمام أهل تعز قبل أن يتحوّل السكوت إلى وصمة عار لا تُمحى.
وللقارئ، أقول: لا تنخدعوا بالخطابات التي تبرّر التقاعس، تعز تحتاجكم جميعًا صوتًا واحتجاجًا ومطالبةً لا تفتر.
إن صرخات المدينة ما زالت تخرج من أفواه أناس يرون أن حياتهم أقل كلفة من تقارير حسابية. دعونا نجعل من كلماتنا ضغطاً على من بيده تغيير الواقع، لا نطلب ثأراً للسلطة، نطلب استردادًا لحق المدينة في أن تحيا وقبل كل ذلك أخذ الحق للضحايا ولتكن أولهم إفتهان المشهري.
في صباحٍ مهلهل من عام 2018، قتل زميلٌ للإنسانية: حنا لحود، موظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بينما كان يؤدي عمله في خدمة المحتجزين. قُتل برصاصٍ لم تكشف هويته بعد لدى كثيرين، وبقيت صورته شاهدةً على أن ثمن العمل الإنساني قد يكون حياةً تُزهق بلا مساءلة كافية. تقارير من اللجنة الدولية والوكالات العالمية وثّقت الحادثة وأجمعت على وقوعه على أطراف المدينة، وما زالت صور الرجل تهمس بما لا ينبغي أن تهمس به مدينة تحترم نفسها: أن الأمن هنا هشّ، وأنّ القتلة قد لا يواجهون تحقيقاً شفافاً بالسرعة التي تليق بجريمة على هذه الشاكلة.
وهنا تكمن المأساة: ليس فقط في قسوة الحدث، بل في شيء أعمق في صمت المؤسسة وسؤال: لمن تُقدَّم المدينة؟ هل لساكنيها الذين فقدوا عزّتهم أم لأزمات تُدار من وراء منابرٍ تبرّر التقصير باسم أولوية أو استثناء؟ المدينة تئن من قِصور في الأمن كما تئن من انقطاع الماء والكهرباء، لكنّ الأول يبقى ثغرة تنفّس فيها كل أشكال العنف.
المنظمات الدولية نفسها لا تتكلّم سراً: تعز مكان خطِر. قياديوها يعترفون بصعوبة الوصول وبقيود الحركة أمام موظفي الإغاثة؛ منسقون أمميون تحدثوا عن خطورة الوضع وصعوبة العمل الآمن داخل المدينة منذُ 10 سنوات، وهو ما انعكس على إجراءات تقنين الزيارات وحصرها في مدّة قصيرة ومحدّدة لأجل السلامة. هذه المعطيات مترسّخة في تقارير ومواقف منظّمات إنسانية رصدت صعوبة إيصال المساعدات والوصول الآمن للسكان.
ولعلّ الحكاية الشخصية تقرع الناقوس أقوى: في 2021 كنّا ضمن وفدٍ أممي في تعز برفقة المنسق الأممي آنذاك دييجو زورّيا، وقد طُلب منا الجلوس فيها لساعتين فقط، لا لشيء إلا لأن خوف الجهات الدولية من طول البقاء في المدينة كان أصدق من وعود السلطة المحلية بتثبيت الأمن. لا أذكر أن أحدًا عرض علينا خطة أمنية طويلة الأمد؛ ما عرض علينا كان مقاعد قصيرة، ووقت مقطّع، وابتسامات رسميةٍ تشبه أختامًا بلا مضمون. هذه شهادةٌ لا تحتاج لإثبات أكثر من كونها تجربة عايشناها لكنها تتقاطع مع إقرارات رسمية عن تعذّر العمل البشري داخل المدينة.
أيّ سلطة تفرح بفوضىٍ على حساب الناس؟ ما قيمة مناصب تُسدَّد بالأحجية عندما تكون حياة المواطن أرخص من مطالبة إدارية؟
أكتب هذا لأقول: أنتم لم تُجرِّدونا فقط من الأمان، بل جرّدتم المدينة من صورتها الإنسانية. أنتم تكتفون بالبلاغات والصور الرسمية، وتتركوا أمن المدينة. عندما يموت حنا لحود، لا يموت شخصٌ فحسب، بل تموت أمامنا براءة من نوع نادر: براءة القيام بالواجب الإنساني دون أن تكون عرضة للرصاص. وعندما تجبرون زائرات وزوّارًا أمميين على "جلساتٍ قصيرة" خوفًا على سلامتهم، فذلك دليل على فشل مزدوج: فشل في حمايتهم، وفشل في حماية موقفكم الوطني الذي يتغنى به البعض.
لن أكتب هنا ما قد يدعو للعنف. سأكتب ما يغضب السلطة ربما أكثر: الحقيقة الصافية. المدينة لا تُعاد إلى دربها بالوعود وحدها، ولا تكون مصانةً ببيانات لا تُترجم إلى أفعَال ملموسة. الأمن هو قرار، وإذا لم يكن قراركم واضحاً وحازماً، فاعلموا أن التاريخ سيحفظ لكم سلوك الهروب من المسؤولية قبل أن يحفظ لكم أسمائكم.
تخيّلوا شارعًا بلا أسماء، الأسماء هناك دماءٌ مختزلة على جدران المنازل. تخيّلوا بيتاً تحاصره قذائف لا لسبب سوى أن أحدهم قرّر أن المدينة ساحة مفتوحة لكل خصوماته. تخيّلوا طفلًا يسأل عن الماء بينما خرائط المسؤولين تشير إلى ميزانيات تُستهلَك في مكانٍ آخر. هذا المشهد ليس تصميماً طوباويًّا، بل واقع تعز الذي يصرخ: أين من يمنحنا الاستقرار؟
حين يختفي التحقيق، أو يتباطأ، أو يُستبدل بالبيانات الرسمية الفارغة، فإنّ من يموت هو عدالة المدينة أولًا، ثم مستقبلها. وكم من مرةٍ سمعتُ عبارة: "نعمل على معالجة الأمر"؟ العمل الحقيقي ليس عبارة؛ العمل هو تحقيق شفاف، توقيف للمجرمين، حماية للمواطن، وإصلاح جذري يستبدل الاستجابة المؤقتة بحلول دائمة.
أُخاطب السلطة المحلية: إنّ تعز ليست ساحةً للمزايدة السياسية، ولا أوراقًا تُوزّع وفق جدول أعمال خارجي. إنّها مواطنون لهم أسماء ووجوه، لها حقوق في الأمن والوصول إلى الخدمات والكرامة اليومية. أطالبكم ليس من باب الانتقام بمعناه العنيف، بل من باب محاسبة الذات أن توقفوا هذا العَرَض الخطِر من الانفلات. ثبتوا الأمن، فتحققوا بشفافية في جرائمٍ كبَرَت حتى صارت عالماً قائماً بذاته، واحملوا مسؤولياتكم كاملةً أمام أهل تعز قبل أن يتحوّل السكوت إلى وصمة عار لا تُمحى.
وللقارئ، أقول: لا تنخدعوا بالخطابات التي تبرّر التقاعس، تعز تحتاجكم جميعًا صوتًا واحتجاجًا ومطالبةً لا تفتر.
إن صرخات المدينة ما زالت تخرج من أفواه أناس يرون أن حياتهم أقل كلفة من تقارير حسابية. دعونا نجعل من كلماتنا ضغطاً على من بيده تغيير الواقع، لا نطلب ثأراً للسلطة، نطلب استردادًا لحق المدينة في أن تحيا وقبل كل ذلك أخذ الحق للضحايا ولتكن أولهم إفتهان المشهري.



















