في المحافظات المحررة، لم تعد الطرق مجرد ممرات للنقل، بل تحولت إلى ساحات جباية تتوزع فيها النقاط العسكرية كما تتوزع الأسواق الموسمية، لكن دون عروض ولا تخفيضات. الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والمشتقات النفطية تُوقف عند كل نقطة، ويُطلب منها دفع "مكس" يتراوح بين نصف مليون إلى مليون ريال، تحت مسميات لا تخلو من الوقاحة: "مجهود حربي"، "تحسين"، "تفتيش"، وأحيانًا "رسوم مرور" في طرق لا تعرف التنظيم ولا تعرف القانون.
ما يحدث ليس تجاوزًا فرديًا، بل منظومة متكاملة من الابتزاز المنظم. أكثر من 99 نقطة تفتيش رُصدت في ست محافظات جنوبية، تتقاسم الطريق وتفرض إتاوات بقوة السلاح. محافظة لحج تتصدر بـ30 نقطة، تليها الضالع، ثم أبين، فحضرموت، وشبوة، والمهرة، في سباق محموم على من ينهب أكثر. هذه النقاط لا تميز بين الضروري والكمالي، فكل شيء قابل للجباية، وكل سائق هو مشروع غنيمة. بعض النقاط تفرض 10 ريالات على كل لتر وقود، وبعضها يطلب مليونين على القاطرة المحملة بالمشتقات، أما المواد الغذائية فتكفيها مليون ريال لتصل إلى وجهتها، إن حالفها الحظ. بل العجب كل العجب أن تُجمرك الشاحنة في شحن، ثم حين تصل إلى المكلا تُجمرك من جديد، وكأنها عبرت حدود دولتين لا محافظتين في وطن واحد. وكأن كل نقطة تفتيش تملك سيادتها الخاصة، وتفرض رسومها كأنها سلطة مستقلة، لا تربطها بالدولة إلا الشعار المعلق على الحاجز.
يرد بعض أتباع المجلس الانتقالي بأن هذه الجبايات هي "مصدر دخل" لمن يسيرون شؤونهم المعيشية، وكأن الطريق العام صار ملكًا خاصًا، وكأن المواطن هو من يجب أن يدفع ثمن فشل الدولة في تمويل جنودها. لكن هذا التبرير، رغم ما يبدو عليه من بساطة إنسانية، لا يصمد أمام التحليل القانوني ولا الأخلاقي. الدولة لا تُبنى على الابتزاز، ولا تُدار بالضرائب العشوائية المفروضة على الشاحنات. ما يُفرض على الطرقات ليس "مساهمة مجتمعية"، بل إتاوة تُثقل كاهل المواطن وتُضاعف أسعار السلع. الوظيفة العسكرية ليست مصدر دخل خاص، بل مهمة وطنية تُمول من ميزانية الدولة، لا من ظهر المواطن. وإذا كانت هناك أزمة في الرواتب أو التمويل، فالحل لا يكون بتحويل الجنود إلى جُباة، بل بمطالبة السلطة المركزية أو الجهات الممولة بتحمل مسؤوليتها. أما تحويل الطرق إلى خزائن خاصة، فهو إعلان صريح بانهيار مفهوم الدولة، واستبداله بمنطق المليشيا.
في هذا المشهد، تغيب الدولة وتحضر المليشيا. تغيب العدالة وتحضر القوة. فالنقاط العسكرية التي تفرض الجبايات لا تستند إلى قانون، بل إلى بندقية. والسائق الذي يعترض، يُهدد، ويُحتجز، وربما يُمنع من المرور. أما النقابات، فصوتها خافت، وإضراباتها تُقابل بالتجاهل أو القمع.
المفارقة أن هذه الجبايات تُفرض باسم الدولة، لكنها لا تصل إلى خزائنها. بل تُغذي جيوب قادة ميدانيين، وتُموّل صراعات لا علاقة لها بمعيشة الناس. فالمواطن في النهاية يدفع الثمن: ارتفاع في الأسعار، نقص في المواد، وانهيار في الثقة بكل ما هو رسمي.
الجباية ليست قدرًا، لكنها تُعامل كأنه كذلك. والمطلوب ليس فقط رفع النقاط، بل تفكيك المنظومة التي جعلت من الطريق سوقًا سوداء، ومن المليشيا سلطة، ومن المواطن ضحية دائمة.
ما يحدث ليس تجاوزًا فرديًا، بل منظومة متكاملة من الابتزاز المنظم. أكثر من 99 نقطة تفتيش رُصدت في ست محافظات جنوبية، تتقاسم الطريق وتفرض إتاوات بقوة السلاح. محافظة لحج تتصدر بـ30 نقطة، تليها الضالع، ثم أبين، فحضرموت، وشبوة، والمهرة، في سباق محموم على من ينهب أكثر. هذه النقاط لا تميز بين الضروري والكمالي، فكل شيء قابل للجباية، وكل سائق هو مشروع غنيمة. بعض النقاط تفرض 10 ريالات على كل لتر وقود، وبعضها يطلب مليونين على القاطرة المحملة بالمشتقات، أما المواد الغذائية فتكفيها مليون ريال لتصل إلى وجهتها، إن حالفها الحظ. بل العجب كل العجب أن تُجمرك الشاحنة في شحن، ثم حين تصل إلى المكلا تُجمرك من جديد، وكأنها عبرت حدود دولتين لا محافظتين في وطن واحد. وكأن كل نقطة تفتيش تملك سيادتها الخاصة، وتفرض رسومها كأنها سلطة مستقلة، لا تربطها بالدولة إلا الشعار المعلق على الحاجز.
يرد بعض أتباع المجلس الانتقالي بأن هذه الجبايات هي "مصدر دخل" لمن يسيرون شؤونهم المعيشية، وكأن الطريق العام صار ملكًا خاصًا، وكأن المواطن هو من يجب أن يدفع ثمن فشل الدولة في تمويل جنودها. لكن هذا التبرير، رغم ما يبدو عليه من بساطة إنسانية، لا يصمد أمام التحليل القانوني ولا الأخلاقي. الدولة لا تُبنى على الابتزاز، ولا تُدار بالضرائب العشوائية المفروضة على الشاحنات. ما يُفرض على الطرقات ليس "مساهمة مجتمعية"، بل إتاوة تُثقل كاهل المواطن وتُضاعف أسعار السلع. الوظيفة العسكرية ليست مصدر دخل خاص، بل مهمة وطنية تُمول من ميزانية الدولة، لا من ظهر المواطن. وإذا كانت هناك أزمة في الرواتب أو التمويل، فالحل لا يكون بتحويل الجنود إلى جُباة، بل بمطالبة السلطة المركزية أو الجهات الممولة بتحمل مسؤوليتها. أما تحويل الطرق إلى خزائن خاصة، فهو إعلان صريح بانهيار مفهوم الدولة، واستبداله بمنطق المليشيا.
في هذا المشهد، تغيب الدولة وتحضر المليشيا. تغيب العدالة وتحضر القوة. فالنقاط العسكرية التي تفرض الجبايات لا تستند إلى قانون، بل إلى بندقية. والسائق الذي يعترض، يُهدد، ويُحتجز، وربما يُمنع من المرور. أما النقابات، فصوتها خافت، وإضراباتها تُقابل بالتجاهل أو القمع.
المفارقة أن هذه الجبايات تُفرض باسم الدولة، لكنها لا تصل إلى خزائنها. بل تُغذي جيوب قادة ميدانيين، وتُموّل صراعات لا علاقة لها بمعيشة الناس. فالمواطن في النهاية يدفع الثمن: ارتفاع في الأسعار، نقص في المواد، وانهيار في الثقة بكل ما هو رسمي.
الجباية ليست قدرًا، لكنها تُعامل كأنه كذلك. والمطلوب ليس فقط رفع النقاط، بل تفكيك المنظومة التي جعلت من الطريق سوقًا سوداء، ومن المليشيا سلطة، ومن المواطن ضحية دائمة.















