كانوا في الماضي يُسمَّون قُطّاع الطرق؛ أولئك الذين يختبئون خلف الصخور والشعاب، يترصّدون المسافرين المتعبين، وينتظرون القوافل المارة في الطرق الصحراوية والجبلية ليأخذوا ما استطاعوا من مال أو مؤونة، أو حتى حياة، دون وجه حق. كانت هذه الممارسات واضحة ومكافحة على نطاق محدود، وكانت القصص تُروى في المجالس والبوادي، وتُختتم دائمًا بالعبارة: «الله يقطع دابرهم»، تحذيرًا لكل من يسافر بلا حذر.

لكن الزمن تغيّر، ومعه تطوّرت أدوات التقطّع في اليمن. لم يعد الخطر محصورًا في الطرق الترابية أو السيوف والسهام، بل أصبح أكثر تنوعًا ودهاءً، حيث تستغل بعض القوى الظروف الاقتصادية والأمنية لتحقيق مكاسب غير مشروعة. أصبح الابتزاز جزءًا من الحياة اليومية، وأصبح فرض الرسوم على الناس أو على السلع أحد أبرز وسائل التقطّع الحديثة.

اليوم، لم تعد الطرق مقطوعة فقط بين المدن، بل صار مقطوعًا بين المواطن وحقّه في الماء والكهرباء والرزق والعدالة وحتى الحياة الكريمة. من كان يخشى السلاح المباشر في الطرق الترابية قديمًا، صار اليوم يخشى الابتزاز اليومي والاستغلال المتنوع عند أي خطوة نحو تأمين الحاجات الأساسية.

تطوّر قُطّاع الطرق، لكنهم احتفظوا بنفس الجوهر: استغلال الضعفاء وتحويل حاجة الناس إلى فرصة للسطو والابتزاز، مستخدمين اليوم سندات القبض وأجهزة الابتزاز الحديثة بدل السيوف والعصي القديمة. اليمنيون الذين عاشوا الحروب يعرفون أن الطريق ليس مجرد مسلك يربط المدن، بل رمز للبقاء، وقُطّاع الطرق لم يختفوا، بل تغيّر شكلهم ليبتزوا المواطنين ويحرموا حقوقهم باسم القوة أو الظروف القاهرة.

الدرس الذي يفرض نفسه واضح: مهما تغيّرت الوسائل، يبقى الحق ثابتًا، ويبقى الشر ظاهرًا، ويبقى المواطن هو من يدفع الثمن. لن ينهض اليمن إلا حين تُفتح كل الطرق: طريق العودة إلى دولة تحمي الحقوق، وطريق العدالة، وطريق الرزق، وطريق الأمان، وطريق العلم والنهضة الحديثة. حينها فقط سيشعر المواطن أن رحلته في هذه الأرض ليست محفوفة بالخطر، وأن حياته اليومية ليست مرهونة بجبروت البعض.

أما في الجنوب، فطريقنا يجب أن يتحرّر من العادات السيئة التي ورثناها من تجربة وحدة الدمج المشؤومة؛ وإلّا سنسير في مجهول حقيقي يعطّل أهدافنا المنشودة. لا يجوز رمي أي فشل أو تعثّر على الظروف أو المكايدات؛ وعلى كل من يدير المناطق المحررة في الجنوب أن يتحمّل المسؤولية، ويرسي قواعد واضحة، ويضع خططًا عملية للقضاء على ظاهرة الجبايات المزعجة التي تُسمع هذه الأيام في عدن ولحج وأبين وشبوة وغيرها.

ويجب على السلطات المسؤولة عن إدارة المشهد تقديم نموذج يُحتذى به في تنظيم الرسوم وضبط أركانها، مع مراعاة ظروف الناس والاستفادة من الرسوم الرمزية. كما أن تنسيق الأطراف المعنية ووضع آليات واضحة لتوريد هذه الموارد وإدارتها بشفافية يُعد السبيل الأضمن لتحويل الإيرادات إلى خدمات تخدم المواطنين وتعيد للجنوب طريقه نحو الاستقرار والكرامة.

وفي الختام، ندعو الله أن يصلح أوضاع اليمن، وأن يخرج البلاد من دوامة غياب الدولة، ويعين المواطن المغلوب على أمره على تجاوز كل المحن التي سلطت على رقابه، وأن يلحق اليمن جنوبه وشماله بركب التقدم والرقي مثل بقية دول العالم.