أنا يمنيةٌ تصحو على صوت الدعاء في الفجر، تمتزج أنفاسها برائحة البُن، وتعرف أن الصباح ليس نداءً ليومٍ جديد فحسب، بل حكايةٌ تُروى كل فجر عن الصبر والعطاء.

في الأزقة أصواتٌ متعبة، لكنها ما زالت تُحاول الحياة ، ضحكةُ طفلٍ يختبئ خلف الستار، امرأةٌ تُعيد ترتيب فناجينها وكأنها تُنظّم أمنيةً لا تريد لها أن تضيع، وشابٌّ يكتب قصيدةً على ورقٍ مُمزق.

ذلك هو صوت الوطن رقيقٌ، لا يعلن عن نفسه بضجيج، لكنه حاضرٌ كنبضٍ لا يغيب.

قد لا يحتاج الوطن اليوم إلى خطبٍ تُلقّنُه ما يعرف، بل إلى قلوبٍ تُذكّره بما كان عليه: كرمٌ ممتدّ، رحمةٌ لا تشترط، وصبرٌ يشبه طهارة الماء.

في بيوتٍ متواضعة تُولد الأقدار الجديدة، هناك حيث يُعلّم الجدّ حفيده معنى المشاركة دون مواعظ، وحيث تُقال الحكايا لتبقى القيم على ألسنة الصغار قبل أن تُنسى.

التربية هنا ليست درسًا مكتوبًا على سبّورة، بل طقسٌ يوميٌّ من الإحسان والودّ، تُنقش به النفوس في صمتٍ نبيل.

تعلمتُ أن التعليم الذي يُداوي الجروح لا يقف عند باب المدرسة فقط؛ إنه ينزل إلى المائدة، يجلس مع الأم، يهمس في أذن الطفل، ويُعيد إلينا جمال السؤال لا خوف الإجابة.

ونصائح الجدّات تشبه تجفيفهنّ للفواكه: يحتفظن بالحلوى للمواسم العجاف، ليبقى طعم الحياة في قلوبنا مهما تغيّر الزمن.

كم من فكرةٍ صغيرة تُترك لتنمو في بيتٍ ناءٍ فتصبح شجرةً تُظلّ أجيالًا؟ وكم من روحٍ تُفتح لها نافذةٌ صغيرة، فتشرقُ لأنها وجدت مكانها في هذا العالم؟

لا أُشيرُ بإصبعٍ إلى أحد، فالحقيقة حين تُقال برفقٍ تكفي، وتعرف طريقها إلى القلوب دون استئذان.

نحن نعرف آلامنا، نحملها كسِرٍّ في صدورٍ لا تُبدي ضعفًا بل عزمًا صامتًا. وبين الحروب والمآسي، بين قسوة الأيام ومرارة الفقد، تبقى ملامح الطيبة فينا لا تموت: تعاونٌ متبادل، ابتسامةٌ تُعطى بلا سؤال، ويدٌ تمتدّ لمُرمَّمٍ أو جارٍ محتاج.

هذه هي شمسُ اليمن، لا تُطفأ وإن خفت نورها تحت رمادٍ عابر.

أتذكّر حين كنتُ صغيرة، رافقتُ أمي إلى منطقة خِيام المهمَّشين، فرأيتها تُعلّم الصغار وتحتضنهم، تتحدث مع الأمهات بلطفٍ وطمأنينة. هناك، رأيتُ النور يشعّ من قلوبهم، والفرحة تُضيء وجوههم. وعندما عدنا إلى المنزل، شعرتُ أنني حملتُ معي قبسًا من سعادتهم، ورويتُ لجدتي ووالدي ما عشته، فبادلاني الفرح كأن الخير يُورّث بالحبّ لا بالوصايا.

أنا لا أطالبُ بأكثر من أن نبقى نُردّد الأمل في أعماقنا، أن نحفظَ ماء الرحمة لأيام الجفاف، وأن نُعلّم بصمتٍ.

فاليمن ما زال فينا:

في لمسات الأيدي، في سكون الليل حين يُسمع دعاءٌ خفيّ، في رغيفٍ يُقسم بين اثنين.

وما دام فينا نبضٌ يُردد:"اختر لدونك ما تختاره لنفسك"، فلن تنطفئ الأرض من عزّها، ولا من فجرها.

ودُمتم في كنفِ الله سالمين ومؤيَّدين.