في زمن تتشابك فيه المصالح وتعاد فيه صياغة موازين القوى الاقتصادية على حساب المستضعفين، يقف اليمن مثالاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ"النهب الناعم"؛ نهب لا يمارس بالقوة العسكرية المباشرة فحسب، بل عبر أدوات الاقتصاد والتجارة واتفاقيات ظاهرها المنفعة وباطنها الاستغلال. وبينما يعيش اليمنيون أزمات معيشية متراكمة، تتدفق خيرات البلاد الزراعية والبحرية إلى الخارج (لتنعش أسواق دول تنعم بالبذخ والرخاء والوفرة)، فيما يزداد الفقر في موطن هذه الخيرات حتى بات الجوع عنوانا يوميا لمعاناة ملايين المواطنين.
من يتتبع حركة الصادرات اليمنية يدرك أن النزيف الاقتصادي لم يتوقف رغم الحرب، بل تفاقم بطرق أكثر خفاء. فخلف واجهات (التبادل التجاري) تخرج من الموانئ اليمنية كميات ضخمة من الأسماك، والخضروات، والفواكه، والبن، والمنتجات الزراعية النادرة، في صفقات لا يعرف المواطن عنها إلا انعكاساتها في السوق المحلي، حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات لا تحتمل. تشير تقديرات اقتصادية تقريبية إلى أن اليمن يصدر سنويًّا ما يزيد على أربعمائة ألف طن من هذه المنتجات، في حين يعاني الداخل من شح واضح في المعروض الغذائي. والمفارقة أن العائد الفعلي لهذه الصادرات لا ينعكس على الاقتصاد الوطني، بل يذهب في معظمه إلى شركات وتجار مرتبطين بشبكات خارجية تجني الأرباح على حساب لقمة المواطن اليمني.
تبدو المسألة في ظاهرها شأنا تجاريا مشروعا، لكنها في جوهرها تعبر عن خلل عميق في بنية الاقتصاد اليمني، وعن استغلال ممنهج لحالة الضعف التي تمر بها البلاد. (فالدول المترفة التي تغرق في وفرة غذائية وتعيش شعوبها رفاهية لا حدود لها)، تبني جانبا من هذا البذخ على حساب دول مضطربة كاليمن، تستنزف مواردها وتسهم بشكل غير مباشر في استمرار أزماتها. إنها معادلة غير عادلة: تصدر الثروات من أرض تعاني، لتزين موائد أولئك الذين ساهمت سياساتهم الاقتصادية أو تدخلاتهم السياسية في إطالة أمد معاناة تلك الأرض.
لقد تحول البحر اليمني، الذي كان يوما رمزا للكرم والرخاء، إلى مصدر ثروة لغير أهله. فالسواحل الطويلة الغنية بأنواع نادرة من الأسماك تستغل بطريقة غير متوازنة، إذ توجّه كميات كبيرة إلى الأسواق الخارجية بينما يعجز سكان المدن الساحلية أنفسهم عن شراء ما يخرج من مياههم. والأسوأ من ذلك أن عمليات الصيد العشوائي وغير المنظم، التي غالبا ما تدار من قبل شركات أجنبية أو بتمويل خارجي، تدمر البيئة البحرية وتفقد اليمن واحدا من أهم مصادر دخله الوطني على المدى الطويل. (إن ما يجري هو نهب ناعم بمعناه الكامل: لا يرفع فيه السلاح، لكنه يسلب الحياة من بطون الناس).
وفي الزراعة، يتكرر المشهد ذاته. الأراضي الخصبة التي كانت تكفي لإطعام الملايين أصبحت موجهة للإنتاج التجاري، (تزرع لا لتشبع المواطن اليمني، بل لتملأ حاويات التصدير إلى الخارج). هذا التحول في أولويات الإنتاج ليس عفويا، بل نتيجة سياسات اقتصادية غير متوازنة، تشجع التصدير كوسيلة لجلب العملات الصعبة دون أن تضع في الاعتبار الأمن الغذائي الداخلي. وهكذا، بينما تتباهى بعض التقارير بارتفاع حجم الصادرات، يزداد العجز الغذائي في الداخل، ويترك المواطن يواجه أعباء المعيشة المتصاعدة دون حماية حقيقية.
تكمن المأساة الأكبر في أن هذا النهب الاقتصادي يحدث في ظل حرب أنهكت البلاد ومزقت مؤسساتها. فبدل أن توجه الموارد الشحيحة إلى إعادة البناء، تستنزف في صفقات تجارية يستفيد منها الخارج أكثر مما يستفيد منها الداخل. (ومن المفارقات الموجعة أن بعض الدول التي تعيش اليوم في ترف مبالغ فيه كانت، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، جزءا من دوامة الصراع التي دمرت البنية التحتية اليمنية. ثم عادت لتستغل ضعف تلك البنية كي تضمن استمرار تدفق خيراتها بأسعار بخسة. إنها دائرة مغلقة من الاستغلال: حرب تشعلها المصالح، وفوضى تتيح النهب، وفقر يكرس التبعية).
إن هذا الواقع لا يمكن فصله عن غياب الرؤية الاقتصادية الوطنية الواضحة، وضعف مؤسسات الرقابة والتنظيم، وغياب الشفافية في إدارة الصادرات. فقد أصبحت رخص التصدير تمنح في كثير من الأحيان بعيدًا عن أي تقييم لحاجة السوق المحلي أو للمخزون الاستراتيجي للبلاد. كما أن ضعف العملة الوطنية يغري المنتجين ببيع منتجاتهم للأسواق الخارجية بالدولار، حتى وإن كان ذلك على حساب المستهلك المحلي. وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية من مشكلة داخلية إلى أداة استغلال خارجي، تدار بحسابات دقيقة ومصالح لا تعرف الرحمة.
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فثمة فرصة حقيقية لإعادة التوازن إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الاقتصادية الرشيدة. فاليمن يمتلك من الموارد ما يكفي ليكون بلدا مكتفيا غذائيا ومصدرا قويا في الوقت نفسه، شرط أن تدار ثرواته وفق مبدأ الأولوية الوطنية. إن إنشاء منظومة شفافة لمراقبة حركة الصادرات وتقييم أثرها على السوق المحلي يعد خطوة أولى نحو حماية الأمن الغذائي. كما يمكن فرض آلية عادلة لتسعير السلع الأساسية تضمن استفادة المنتج والمستهلك معا، بعيدا عن المضاربات والاحتكار.
كذلك يمكن لليمن أن يتحول من مجرد مصدر للمواد الخام إلى منتج للقيمة المضافة عبر تشجيع الصناعات التحويلية المحلية. فتعليب الأسماك، وتجفيف الفواكه، وتصنيع العصائر والمعلبات يمكن أن يضاعف من العائد الاقتصادي ويخلق فرص عمل، بدل تصدير الثروة في حالتها الأولية. إن هذا التوجه لا يحمي الاقتصاد فحسب، بل يعزز الاستقلالية الوطنية ويُضعف نفوذ من يحاولون استغلال هشاشة الوضع الراهن.
كما يمكن للدولة أن تعمل على إعادة هيكلة العلاقات التجارية بما يخدم مصلحة المواطن أولًا، عبر اتفاقيات جديدة تضمن الشفافية وتكافؤ المصالح، بعيدًا عن منطق الهيمنة. فالتبادل التجاري العادل لا يكون على حساب الشعوب الضعيفة، بل بشراكة حقيقية تبنى على الاحترام المتبادل. وعندها فقط يمكن لليمن أن يخرج من دائرة (النهب الناعم) إلى فضاء الكرامة الاقتصادية والسيادة على موارده.
إن خيرات اليمن يجب أن تكون لليمنيين أولًا، لا لأصحاب المصالح البعيدة الذين يقتاتون على أوجاع الشعوب. فالوطن الذي يعاني من الجوع (لا ينبغي أن يصدر الغذاء)، والبحر الذي يشهد على معاناة صياديه لا يجب أن يستنزف لإشباع موائد المترفين. إن العدالة تبدأ من هنا، من إعادة الاعتبار لمواردنا بوصفها حقًّا سياديًّا لا يمس، ومن الإيمان بأن استقرار اليمن لن يتحقق إلا حين يتوقف الآخرون عن بناء رفاهيتهم على حساب فقره.
لقد آن الأوان أن تغلق منافذ النهب المقنع باسم التجارة، وأن ترفع راية السيادة الاقتصادية من جديد. فاليمن الذي كان عبر تاريخه منبعا للخير والعطاء، يستحق أن يعيش أبناؤه من خيرات أرضهم وبحرهم، لا أن يكونوا شهودًا على نزيف صامت يغذي ثراء الآخرين. إن استعادة السيطرة على الموارد ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل قضية كرامة وطنية، لأن سيادة الموارد هي جوهر سيادة الأوطان.
من يتتبع حركة الصادرات اليمنية يدرك أن النزيف الاقتصادي لم يتوقف رغم الحرب، بل تفاقم بطرق أكثر خفاء. فخلف واجهات (التبادل التجاري) تخرج من الموانئ اليمنية كميات ضخمة من الأسماك، والخضروات، والفواكه، والبن، والمنتجات الزراعية النادرة، في صفقات لا يعرف المواطن عنها إلا انعكاساتها في السوق المحلي، حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات لا تحتمل. تشير تقديرات اقتصادية تقريبية إلى أن اليمن يصدر سنويًّا ما يزيد على أربعمائة ألف طن من هذه المنتجات، في حين يعاني الداخل من شح واضح في المعروض الغذائي. والمفارقة أن العائد الفعلي لهذه الصادرات لا ينعكس على الاقتصاد الوطني، بل يذهب في معظمه إلى شركات وتجار مرتبطين بشبكات خارجية تجني الأرباح على حساب لقمة المواطن اليمني.
تبدو المسألة في ظاهرها شأنا تجاريا مشروعا، لكنها في جوهرها تعبر عن خلل عميق في بنية الاقتصاد اليمني، وعن استغلال ممنهج لحالة الضعف التي تمر بها البلاد. (فالدول المترفة التي تغرق في وفرة غذائية وتعيش شعوبها رفاهية لا حدود لها)، تبني جانبا من هذا البذخ على حساب دول مضطربة كاليمن، تستنزف مواردها وتسهم بشكل غير مباشر في استمرار أزماتها. إنها معادلة غير عادلة: تصدر الثروات من أرض تعاني، لتزين موائد أولئك الذين ساهمت سياساتهم الاقتصادية أو تدخلاتهم السياسية في إطالة أمد معاناة تلك الأرض.
لقد تحول البحر اليمني، الذي كان يوما رمزا للكرم والرخاء، إلى مصدر ثروة لغير أهله. فالسواحل الطويلة الغنية بأنواع نادرة من الأسماك تستغل بطريقة غير متوازنة، إذ توجّه كميات كبيرة إلى الأسواق الخارجية بينما يعجز سكان المدن الساحلية أنفسهم عن شراء ما يخرج من مياههم. والأسوأ من ذلك أن عمليات الصيد العشوائي وغير المنظم، التي غالبا ما تدار من قبل شركات أجنبية أو بتمويل خارجي، تدمر البيئة البحرية وتفقد اليمن واحدا من أهم مصادر دخله الوطني على المدى الطويل. (إن ما يجري هو نهب ناعم بمعناه الكامل: لا يرفع فيه السلاح، لكنه يسلب الحياة من بطون الناس).
وفي الزراعة، يتكرر المشهد ذاته. الأراضي الخصبة التي كانت تكفي لإطعام الملايين أصبحت موجهة للإنتاج التجاري، (تزرع لا لتشبع المواطن اليمني، بل لتملأ حاويات التصدير إلى الخارج). هذا التحول في أولويات الإنتاج ليس عفويا، بل نتيجة سياسات اقتصادية غير متوازنة، تشجع التصدير كوسيلة لجلب العملات الصعبة دون أن تضع في الاعتبار الأمن الغذائي الداخلي. وهكذا، بينما تتباهى بعض التقارير بارتفاع حجم الصادرات، يزداد العجز الغذائي في الداخل، ويترك المواطن يواجه أعباء المعيشة المتصاعدة دون حماية حقيقية.
تكمن المأساة الأكبر في أن هذا النهب الاقتصادي يحدث في ظل حرب أنهكت البلاد ومزقت مؤسساتها. فبدل أن توجه الموارد الشحيحة إلى إعادة البناء، تستنزف في صفقات تجارية يستفيد منها الخارج أكثر مما يستفيد منها الداخل. (ومن المفارقات الموجعة أن بعض الدول التي تعيش اليوم في ترف مبالغ فيه كانت، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، جزءا من دوامة الصراع التي دمرت البنية التحتية اليمنية. ثم عادت لتستغل ضعف تلك البنية كي تضمن استمرار تدفق خيراتها بأسعار بخسة. إنها دائرة مغلقة من الاستغلال: حرب تشعلها المصالح، وفوضى تتيح النهب، وفقر يكرس التبعية).
إن هذا الواقع لا يمكن فصله عن غياب الرؤية الاقتصادية الوطنية الواضحة، وضعف مؤسسات الرقابة والتنظيم، وغياب الشفافية في إدارة الصادرات. فقد أصبحت رخص التصدير تمنح في كثير من الأحيان بعيدًا عن أي تقييم لحاجة السوق المحلي أو للمخزون الاستراتيجي للبلاد. كما أن ضعف العملة الوطنية يغري المنتجين ببيع منتجاتهم للأسواق الخارجية بالدولار، حتى وإن كان ذلك على حساب المستهلك المحلي. وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية من مشكلة داخلية إلى أداة استغلال خارجي، تدار بحسابات دقيقة ومصالح لا تعرف الرحمة.
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فثمة فرصة حقيقية لإعادة التوازن إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الاقتصادية الرشيدة. فاليمن يمتلك من الموارد ما يكفي ليكون بلدا مكتفيا غذائيا ومصدرا قويا في الوقت نفسه، شرط أن تدار ثرواته وفق مبدأ الأولوية الوطنية. إن إنشاء منظومة شفافة لمراقبة حركة الصادرات وتقييم أثرها على السوق المحلي يعد خطوة أولى نحو حماية الأمن الغذائي. كما يمكن فرض آلية عادلة لتسعير السلع الأساسية تضمن استفادة المنتج والمستهلك معا، بعيدا عن المضاربات والاحتكار.
كذلك يمكن لليمن أن يتحول من مجرد مصدر للمواد الخام إلى منتج للقيمة المضافة عبر تشجيع الصناعات التحويلية المحلية. فتعليب الأسماك، وتجفيف الفواكه، وتصنيع العصائر والمعلبات يمكن أن يضاعف من العائد الاقتصادي ويخلق فرص عمل، بدل تصدير الثروة في حالتها الأولية. إن هذا التوجه لا يحمي الاقتصاد فحسب، بل يعزز الاستقلالية الوطنية ويُضعف نفوذ من يحاولون استغلال هشاشة الوضع الراهن.
كما يمكن للدولة أن تعمل على إعادة هيكلة العلاقات التجارية بما يخدم مصلحة المواطن أولًا، عبر اتفاقيات جديدة تضمن الشفافية وتكافؤ المصالح، بعيدًا عن منطق الهيمنة. فالتبادل التجاري العادل لا يكون على حساب الشعوب الضعيفة، بل بشراكة حقيقية تبنى على الاحترام المتبادل. وعندها فقط يمكن لليمن أن يخرج من دائرة (النهب الناعم) إلى فضاء الكرامة الاقتصادية والسيادة على موارده.
إن خيرات اليمن يجب أن تكون لليمنيين أولًا، لا لأصحاب المصالح البعيدة الذين يقتاتون على أوجاع الشعوب. فالوطن الذي يعاني من الجوع (لا ينبغي أن يصدر الغذاء)، والبحر الذي يشهد على معاناة صياديه لا يجب أن يستنزف لإشباع موائد المترفين. إن العدالة تبدأ من هنا، من إعادة الاعتبار لمواردنا بوصفها حقًّا سياديًّا لا يمس، ومن الإيمان بأن استقرار اليمن لن يتحقق إلا حين يتوقف الآخرون عن بناء رفاهيتهم على حساب فقره.
لقد آن الأوان أن تغلق منافذ النهب المقنع باسم التجارة، وأن ترفع راية السيادة الاقتصادية من جديد. فاليمن الذي كان عبر تاريخه منبعا للخير والعطاء، يستحق أن يعيش أبناؤه من خيرات أرضهم وبحرهم، لا أن يكونوا شهودًا على نزيف صامت يغذي ثراء الآخرين. إن استعادة السيطرة على الموارد ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل قضية كرامة وطنية، لأن سيادة الموارد هي جوهر سيادة الأوطان.















