وقفت لحظات أمام مقبرة شهداء 13 يناير 1986، ولم أكن متعمدًا أن أذهب إليها، بل اعتدت شخصيًا المرور من جوارها معظم الأيام دون أن أتوقف أمام سورها الذي يحيط بها من الجهات الأربع.

وبعد أن تمَّت إزالة وقطع الأشجار التي كانت تغطيها ولم يكن يُرى إلا القليل من القبور، وظلت مهملة طوال ثلاثة عقود، أعاد مأمور مديرية المنصورة المتميز في عمله أحمد علي الداؤودي للمقبرة حضورها.

تأملت بعد ردّ السلام على من في القبور، كما هي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي تلك المقبرة من مات على الشهادتين، وفيهم من قُتل جاهلًا أو ضالًا في زمن الشطحات والجِنان الثوري الأممي.

في تلك المقبرة يرقد الراحل الفقيد والمناضل محمد سعيد يافعي (شنظور) الذي عرف بالمحافظة على صلاته وأحد كبار الضباط السبعة في جيش اتحاد محميات الجنوب العربي، ومحافظ محافظتي لحج ثم حضرموت قبل عام 69 في عهد الرئيس الراحل قحطان الشعبي، رحمه الله وجميع من رحل.

توفي في عام 1993، ودفن تلك المقبرة ولم يكن طرفًا في صراعات الماضي بعد استقالته من عمله عام 1973 وسفره إلى الخارج ليعمل في وظيفة خاصة بحثًا عن لقمة العيش، بعد أن وجد أن التيار يسير نحو التطرف.

ثم عاد في عام 1985 بطلب من رئيس الجمهورية وأمين عام الحزب الرئيس علي ناصر محمد، ومن نائب الرئيس علي عنتر، وسعى لإصلاح ذات البين، لكن الكارثة حدثت، لينتهي المطاف بالجميع بنكسات ما بعد 90م.

تذكرت يوم خرج الجنوب في جنازة تاريخية لتشييع كبار قادة النظام السابق الذين تمت تصفيتهم في تلك الأحداث المأساوية، وفي مقدمتهم العميد علي عنتر نائب الرئيس الجنوبي، والعميد ركن صالح مصلح وزير الدفاع، وعلي شائع هادي، وعبدالفتاح إسماعيل رئيس جمهورية الجنوب ومؤسس الحزب الاشتراكي اليمني، وهو من تعز، لكن الجنوب تعامل معه كأحد أبنائه، وذلك دليل على طيبة العقول الجنوبية رغم حدتها مع بعضها البعض.

في تلك المقبرة شخصيات من كبار القادة في الجنوب غادروا الحياة بعضهم توفي بعد يناير ودفن في المقبرة وهم قلة

اعتقد من بينهم المناضل سعيد صالح سالم وزير أمن الدولة قبل 90م ومحافظ محافظة عدن بعد 90م الذي توفي بحادث مروري ثم أخلفه المحافظ المشهور العميد صالح منصر السييلي.

تفكرت في تلك الأسماء وكبار القادة، وفي تلك المأساة، وفيما لا يزال على قيد الحياة ممن كانوا طرفًا في الصراع ، وفي الأجيال التي دفعت الثمن بسبب صراعات رفاق النضال، وفي الجيل الذي أتى بعدهم، وفي من وصلوا إلى السلطة بعد 2015، ولم يكن كثير منهم أو معظمهم يتوقع، حتى في الحلم، أنه سيصل إلى تلك المواقع، ولكنها مقادير الله تعالى.



وهل لهؤلاء أن يتعظوا من تلك المنعطفات...؟

تساءلت مع نفسي: ما الذي دفع من أطلق النار لارتكاب تلك المآسي؟ وعلى ماذا كان الاقتتال؟ ولماذا ظل النهج نفسه يتكرر بعد كل منعطف؟ حتى سقط الجنوب في 94م في عدن، ثم لحق من تبقّى منه إلى حافة الانهيار بصنعاء في سبتمبر 2014م؟

وعلى الرغم من تلك الأخطاء، فقد كان للجنوب دولة ونظام، وفيه نجاحات وإيجابيات كبيرة لا يتسع الحيز لحصرها في كل المجالات: بناء الإنسان، والتعليم، والوظيفة، والحقوق، والسكن، والصحة، والنظام، والقانون، وغيرها.

المقابر عِبرة وعِظة لمن يتعظ، ولا ينسى أن السلطة والبهرجة والحزبية والمناطقية المقيتة كلها فانية، ولا يبقى إلا الله تعالى والعمل، فهو الشاهد على كل إنسان، فإن كان خيرًا فنعِمَ الخير، وإن كان شرًّا فالحساب عند الله، والجزاء من جنس العمل.

والله من وراء القصد.