يعيش اليمن منذ سنوات واحدة من أعقد أزماته في التاريخ الحديث؛ اقتصاد منهار، وبنية تحتية مدمرة، وفوضى سياسية وأمنية جعلت البلاد تعيش حالة شلل شبه تام. ورغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، فإن الحلول الجزئية لم تنتج دولة قابلة للحياة. ومن هنا تبرز فكرة جريئة وصادمة في الوقت نفسه: تسليم إدارة اليمن عمليًّا للصين لمدة ثلاثين عاماً، بهدف إعادة بناء الدولة والمجتمع تحت إشراف دولي، في مشروع تنموي شامل يعيد تشكيل اليمن من الصفر.

هذه الفكرة لا تمس السيادة الوطنية بقدر ما تهدف إلى استعادتها عبر نموذج شراكة تنموية، (شبيه بما شهدته هونغ كونغ وسنغافورة) في مراحل تحولها، حيث تقود دولة ذات كفاءة تنفيذية عالية مرحلة انتقالية مؤقتة لإعادة بناء المؤسسات واستقرار الحكم. تقوم الرؤية على معالجة متكاملة للجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإدارية.

أمنيًّا، يعيش اليمن حالة تفكك شديدة، بفعل تعدد الفصائل والميليشيات وتعدد الولاءات. وتقترح الخطة إنشاء قوة أمنية صينية لحماية الموانئ والمشاريع الحيوية تحت إشراف الأمم المتحدة، يعقبها برنامج “الجيش الجديد” لدمج المقاتلين اليمنيين في مؤسسة وطنية موحدة تخضع لدستور ورقابة دولية، وبذلك يتم بناء جيش غير مسيس ولا مناطقي يضمن استقرار البلاد وتهيئتها للتنمية.

اقتصاديًّا، اليمن على حافة الانهيار الكامل، فالعملة فقدت قيمتها، والاستثمار غائب، والبنية التحتية متهالكة. وهنا يأتي الدور الصيني من خلال خطة ثلاثية المراحل تمتد لثلاثة عقود. في العقد الأول تعاد بناء الموانئ والمطارات والمدارس وتنشأ مناطق صناعية حرة ومشاريع للطاقة الشمسية. في العقد الثاني يتم تطوير الصناعات المحلية والزراعة الذكية وتحويل اليمن إلى مركز تجاري يربط آسيا بأفريقيا. أما في العقد الثالث، فتنقل الإدارة تدريجيًّا إلى كوادر يمنية مدربة، مع دمج الاقتصاد اليمني في مشروع “طريق الحرير” الصيني.

على الصعيد الاجتماعي، يعاني اليمنيون من فقر مدقع وانقسامات مناطقية وطائفية متجذرة. وترى الخطة أن إعادة بناء المجتمع لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي، وذلك عبر إنشاء صندوق اجتماعي ضخم لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتأهيل الأسر الفقيرة، وتمكين المرأة والشباب من خلال برامج تدريب وإنتاج حقيقية، إلى جانب تعزيز الهوية الوطنية عبر الإعلام والتعليم والفنون لإحياء روح المواطنة والانتماء.

أما في الجانب التعليمي، فالتعليم اليمني شبه منهار، والمدارس مهدمة والمناهج قديمة. ولهذا تتضمن الرؤية إنشاء عشر جامعات تقنية وخمسة آلاف مدرسة رقمية خلال خمس سنوات، وتدريب خمسين ألف معلم في الصين أو داخل اليمن بإشراف خبراء تربويين، مع تحديث المناهج وربطها بالتفكير النقدي وريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إنشاء مراكز تدريب مهني متنقلة لتأهيل الشباب لسوق العمل.

إداريًّا، يواجه اليمن فساداً عميقاً وبيروقراطية قاتلة. وتقترح الخطة إطلاق نظام حكومي إلكتروني شامل، واستخدام تكنولوجيا “البلوك تشين” لتوثيق المعاملات وضمان الشفافية، وإنشاء محاكم خاصة لمكافحة الفساد، مع تدريب عشرة آلاف إداري يمني على النموذج الصيني القائم على الانضباط والمساءلة.

ورغم ما تحمله الفكرة من جرأة، فإنها ستواجه معوقات عدة، أبرزها المعارضة الإقليمية التي تخشى النفوذ الصيني، والمقاومة الداخلية من الفصائل المسلحة والنخب الفاسدة المستفيدة من الفوضى. لكن يمكن تجاوز ذلك عبر إدارة مشتركة يمنية-صينية بصلاحيات تنفيذية واضحة، وإشراك دول الخليج في مشاريع الطاقة والموانئ لضمان مصالحها، وتأسيس صندوق تمويل دولي بإشراف الأمم المتحدة، إلى جانب حملة توعوية تشرح للشعب أن المشروع شراكة إنقاذ لا تنازل عن السيادة، مع تخصيص نسبة من أرباح المشاريع الكبرى كعائد شهري للمواطنين لبناء الثقة والدعم الشعبي.

إن فكرة تسليم إدارة اليمن للصين ليست خيالًا سياسيًّا بقدر ما هي صرخة واقعية في وجه العجز الإقليمي والدولي عن إنقاذ بلد أنهكته الحروب. إنها رؤية لإعادة ميلاد اليمن كدولة مؤسسات حديثة مبنية على الانضباط والعلم والعدالة. قد يتم معارضة الفكرة، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لوطن يستحق أن يولد من جديد، وربما تكون فرصته هذه المرة قادمة من الشرق.