في اليوم العالمي للتسامح، نقف أمام قيمةٍ تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في جوهرها رحلةُ ارتقاءٍ داخلي، ومعمارُ حضارةٍ إنسانية لا يُبنى بالحجارة، بل بالقلوب.

كثيرون يتحدثون عن التسامح، يقيمون له الاحتفالات، ويرفعون لأجله الشعارات، لكن الحقيقة أن التسامح بلا تعايش يشبه بذرة تُزرع في أرضٍ لا تُسقى؛ تبقى فكرة جميلة لكن بلا ثمر.

فما قيمة أن نسامح، إذا لم نُفسح في حياتنا مساحة للتلاقي؟

وما معنى أن نصفح، إذا أغلقنا النوافذ التي يدخل منها نور التفاهم؟

التسامح ليس نهاية القصة، بل بدايتها، فالتسامح هو لحظة إدراك، وقرار شجاع بأن لا نبقى أسرى للألم أو للرفض أو للخوف.

أما التعايش فهو الفعل الذي يحوّل هذا القرار إلى واقع؛

هو القدرة على السير مع الآخرين في طريق واحد رغم اختلاف خطواتهم ، والإنصات لأصواتهم رغم تباين ألحانها ، والإيمان بأن اختلافنا ليس تهديدًا لوجودنا، بل اتساعًا لأفقه.

ولهذا يمكن القول إن التسامح وتوأمه التعايش يشكلان معًا قانونًا غير مكتوب لبناء المجتمعات التي تريد الحياة، أيّ تسامح يفتح الباب وتعايش يعبر أكسجين التسامح من خلاله.

إن الأسرة هي التي تروي هذه القصة الجميلة ، فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الإنسان فنّ التقبّل. وفي حضنها يفهم الطفل أنّ البشر ليسوا نسخًا متطابقة، والاختلاف لا يكسر الروابط بل يثريها.

حين تعلّم الأسرة أبناءها أن الآراء قد تتعدد دون أن تُقصي بعضها، وأن الحب أوسع من الأخطاء، فإنها لا تربي أفرادًا فحسب، بل تزرع مواطنين قادرين على الحياة في عالم واسع متعدد.

والأسرة التي تمارس التسامح ولا تبني التعايش، تُشبه بيتًا يلمّع نوافذه لكنه يغلق أبوابه.

أما الأسرة التي تربّي أبناءها على قبول الآخر المختلف في اللغة، اللون، المعتقد، الفكر أو الرأي فهي التي تمنح المجتمع مناعة ضد الكراهية.

وعندما تقدم الأسرة درسها الأول، فإن المجتمع يعيد الامتحان كل يوم وفيه تكتب تفاصيل قصص التسامح والتعايش ليكون مصدر الهام للجميع .

المجتمع المتسامح لا يُقصي المختلف ولا يحبس التنوع في زوايا الصمت، بل يحوّله إلى لوحة فسيفساء؛ كل قطعة فيها ضرورية لتكتمل الصورة.

وعندما يكتفي المجتمع برفع شعار التسامح دون أن يفتح ساحات العيش المشترك، فإنه يؤسس لسلام هشّ سلام ينهار مع أول اختلاف.

أما حين يجعل من التعايش ممارسة يومية في المدرسة، في الإعلام، في العمل، في الشارع ... فإنه يبني أمنًا اجتماعيًا لا تزعزعه رياح التعصب.

التسامح الذي نريده اليوم هو تسامح يمشي ، وليس تسامحًا يكتفي بالكلام، ولا تسامحًا ينتظر اعتذارًا حتى يتحرك، ولا تسامحًا يضع شروطًا على الآخر ليبقى قريبًا. بل تسامحًا قادرًا على أن يتحوّل إلى تعايش حيّ:

إلى جسر، لا جدار؛ إلى مساحة لقاء، لا ساحة صراع؛ إلى فرصة للمعرفة، لا ذريعة للرفض.

إن التسامح بذرة، والتعايش ثمرة. ولا معنى لبذرة لا تتحول إلى شجرة.

لو احتفى العالم بالتسامح يومًا واحدًا، فلنحتفِ نحن في بيوتنا ومجتمعاتنا بالتعايش كل يوم.

ولنجعل التسامح والتعايش مغزى مثلنا الشهير :"يومنا عيدنا" فلنحتفل بهما في كل لحظة وفي كل موقف يمر في كل يوم ،ففي التعايش تُصبح الاختلافات مصادر جمال، وتتحول التنوعات إلى موسيقى متناغمة، ونبني العالم الذي يليق بالإنسان كل إنسان.

ودمتم في كنف التسامح و التعايش سعداء آمنين .