فياض الدرويش، شاب يمني ينتمي لواحدة من القرى في جنوب اليمن التي لطالما أنجبت رجالًا هادئين يعملون بصمت، كان واحدًا من العاملين في قطاع الإغاثة، يكرّس وقته لمساعدة الآخرين عبر منظمة إنسانية.

لكن هذا الطريق الذي اختاره لخدمة المحتاجين كان ذاته الذي قاده إلى ظلام السجن؛ فاعتقاله جاء ضمن الحملة التي شنّتها جماعة الحوثي ضد العاملين الإنسانيين في مناطق سيطرتها، حملة لم تفرّق بين مذنب وبريء، ولا بين من يحمل قلمًا أو يحمل سلاحًا.

خرج فياض من الإخفاء القسري من معتقلات الحوثي في مايو 2025، لكن خروجه لم يكن نهاية الألم؛ بل كان بداية اكتشافه لحجم الخراب الذي تركه السجن في جسده.

بعد أسابيع قليلة على الحرية، بدأ قلبه يعلن احتجاجه المتأخر… جلطات عدّة مرّت عليه وهو خلف القضبان دون أن يدري، جلطات كانت تهدد حياته بصمت، كأنها امتداد طبيعي لوحشية اللحظة التي عاشها.

كتب يومًا من سرير المستشفى: "خرجت من العناية قبل قليل… وباقي لي عملية ثانية لتركيب دعامات إضافية للقلب".

كأن القلب نفسه لم يتحمل ثقل ما تعرض له.

وبعد العملية، قال بامتنان ودهشة:"ركّبوا لي 4 دعامات… واللي حصل كان معجزة".

حتى الأطباء وقفوا حائرين أمام فتى في عمر الثلاثين يحمل تاريخه الصحي كأنه رجل أنهكته سبعون سنة من الحروب، لا شاب يعمل في الإغاثة ويؤمن بأن إنقاذ الآخرين إنقاذٌ للنفس.

كتب مازحًا كي يخفف الوجع: "لا السجن صدّق إنّي متهم بقضايا أمن دولة… ولا المستشفى صدّقت إنّي ممكن أنجلط!".

خلف تلك السخرية العابرة، كان يقيم وجعٌ عميق لا يراه إلا من اقترب من قلب فياض. وجعٌ لا يصرخ، بل يتخفّى خلف الضحكة، ويختبئ في كلمات تبدو خفيفة وهي في الحقيقة مثقلة بما لا يُحتمل.

ورغم أن الحياة كانت تبكي من حوله، اختار ألا يفعل. لم يسمح لنفسه أن يظهر في هيئة المنكسر، ولم يكتب يومًا منشورًا يستدرّ الشفقة، على الرغم من أن ما مرّ به يصلح أن يُروى في كتاب كامل عن الظلم.

كان يقولها بوضوح يشبه العناد النبيل: "ما أحب أكون بموقف ضعف… رغم إن معي أكبر مظلومية".

وبرغم كل ما أثقله، ظل قلبه معلّقًا بالله. وحين كتب دعاءه البسيط:"يا رب افرج عن كل المساجين المظاليم… كما نجّيتني"

لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل استدعاءً صامتًا لثمانية أشهر من العذاب خلف القضبان؛ ثمانية أشهر انضغطت في سطر واحد، خرج من قلب أنهكته الزنازين لكنه لم يفقد إنسانيته.

والأجمل أن الأزمة قربته من من يحبهم: أمه التي طال فراقها مع عائلته، ورفيقة دربه أم قمر التي أسعفته ووقفت معه وقفة رجل، كما وصفها.

وفي ليلة المستشفى الأخيرة، حاول أن يمزح مع دعاماته الأربع: "الدكتور منعني من ممارسة الرياضة… سوف أعود إلى ركني الصغير لمضغ القات رفقة الأربع الدعامات التي في قلبي".

وماتزال ابتسامته هي الطريقة التي يواجه بها العالم، رغم كل الخراب الذي مرّ عليه.

اليوم يلتقط أنفاسه خارج السجن، لكن داخله ما زال يواصل ترميم روحه قطعةً قطعة.

أما الصورة التي احتفظ بها من يوم خروجه من السجن، فقد كانت —كما قال— تعجبه لأنها تحمل لحظة نجاته رفقة طفلته الصغيرة قمر… لحظة أعاد الله فيها الروح إلى جسد كان على وشك الانطفاء.

وهكذا، يظل فياض واحدًا من الوجوه الإنسانية التي دفعت ثمنًا باهظًا لأنها اختارت الوقوف مع الإنسان، لا مع السياسة.

واحدًا من الذين خرجوا من الجحيم بقلب مُنهك، لكنه ما زال نابضًا بالخير.