> واشنطن "الأيام" أبريل لونغلي آلي*
كيف يمكن للحوثيين — وحرب أهلية جديدة في اليمن — أن تقلب توازن القوى بعد غزة
من بين التداعيات الإقليمية الأوسع لوقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر، كان يُفترض أن يبرز أثر مهم يتمثل في هدوء جديد في البحر الأحمر وربما في اليمن. وبالفعل، ونتيجة للهدنة، أوقف الحوثيون — الجماعة المسلحة الثقيلة التي تسيطر على شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، والمتحالفة مع حماس وإيران — هجماتهم على الملاحة التجارية في البحر الأحمر وضد إسرائيل. كما بدا أن اتفاقًا سابقًا بوساطة عُمانية بين الحوثيين والحكومة الأميركية قد أسهم في تهدئة التهديد الحوثي المباشر للأصول الأميركية في ممرات الشحن. وداخل اليمن، كانت لا تزال هدنة هشة عمرها ثلاثة أعوام ونصف العام قائمة في الحرب الأهلية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا. ورغم أن الحوثيين لم يُهزموا، بدا أن مسؤولين أميركيين اعتقدوا أن الوضع في البلاد قد هدأ وأن بإمكانهم تحويل انتباههم إلى ملفات أخرى.
لكن بعد أقل من شهرين، بدأ ذلك الهدوء النسبي يتلاشى. ففي أوائل ديسمبر، أطلق انفصاليون جنوبيون حملة واسعة للسيطرة على أجزاء كبيرة من حضرموت، المنطقة النفطية المتاخمة للسعودية، والمهرة، المحافظة الحدودية مع عُمان. ويُمثل هذا الهجوم، الذي قاده المجلس الانتقالي الجنوبي — وهو جزء من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لكنه يدعو إلى استقلال جنوب اليمن — تحولًا زلزاليًا في ميزان القوى داخل البلاد. فالمجلس مدعوم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد أثار توسعه الجريء توترات جديدة مع السعودية، التي تدعم فصائل منافسة داخل الحكومة وتنظر إلى السيطرة على هذه المناطق بوصفها تهديدًا محتملًا لأمنها القومي. والأكثر إثارة للقلق أن هجوم المجلس الانتقالي مرشح لأن يوفر ذريعة لتحركات أوسع من جانب الحوثيين.
وبالتوازي مع تطورات حملة المجلس الانتقالي، تعهّد الحوثيون بتوسيع سيطرتهم على مناطق إنتاج النفط والغاز في شرق البلاد. وبمساعدة من إيران ودول أخرى، واصل الحوثيون بلا كلل توسيع ترسانتهم من الأسلحة التقليدية المتقدمة، كما كثفوا الإنتاج المحلي للسلاح، بما في ذلك القدرة على تجميع الصواريخ الباليستية وتصنيع الطائرات المسيّرة قصيرة المدى بشكل مستقل. وتؤكد أفعال الجماعة وخطابها استمرار طموحها للسيطرة على كامل اليمن ومواصلة مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية والإمارات. وإذا تعثّر وقف إطلاق النار في غزة، فإن الحوثيين مستعدون لاستئناف هجماتهم في البحر الأحمر، وبعد أن لمسوا فاعلية تلك الحملة، قد يعاودون إطلاقها لأسباب أخرى مستقبلًا.
تتجاهل الولايات المتحدة اليمن على مسؤوليتها. فحتى الآن، اكتفت إدارة ترامب بفرض عقوبات على الحوثيين، والحفاظ على هدنة ثنائية مع الجماعة، والتعويل على أن تتولى إسرائيل وشركاء واشنطن في الخليج معالجة بقية الملفات بأنفسهم. كما تراجعت الإدارة إلى حد كبير عن دعم الحكومة اليمنية وتقديم قيادة دبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية.
لكن من دون استراتيجية أميركية أشمل، قد تنقلب الضغوط المالية على الحوثيين بنتائج عكسية. فقبل تحرك المجلس الانتقالي في ديسمبر، لمح قادة الحوثيين إلى احتمال السعي للسيطرة على مزيد من الأراضي أو ابتزاز تنازلات مالية من السعودية للحصول على موارد إضافية. واليوم، جعل الاضطراب في الجنوب البلاد أكثر قابلية للاشتعال، مهددًا بإحياء صراع لطالما صبّ في مصلحة الحوثيين. وأي عودة إلى حرب شاملة ستترك ارتداداتها عبر الخليج ومنطقة البحر الأحمر.
مع انقشاع غبار حرب إسرائيل على غزة، يبرز الحوثيون كحالة شاذة. فبعد تدمير حماس إلى حد بعيد، وتعرض حزب الله في لبنان لضربات قاصمة، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتجنّب الميليشيات الشيعية في العراق الصدام مع إسرائيل، باتت بقية أطراف ما كان يُعرف بمحور المقاومة الإيراني أضعف بكثير. وعلى النقيض، خرج الحوثيون أكثر جرأة بفعل حرب غزة، التي مكّنت قيادتهم من تشديد صلابة نواتهم الأيديولوجية، وتهميش البراغماتيين، وتعزيز قناعة أنصارهم بأنهم في مهمة دينية لتحرير فلسطين وقلب نظام إقليمي تهيمن عليه الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد حصد الحوثيون مكاسب ملموسة من هذا التحدي. فببقائهم في حالة حرب، أفلتوا من المساءلة عن تفاقم الفقر وعن الفشل في دفع رواتب موظفي القطاع العام في مناطق سيطرتهم. كما استغلوا الصراع لتشديد القمع على خصومهم المفترضين، وتضييق هامش المعارضة، وإحكام قبضتهم على السلطة. وفي الوقت ذاته، عزز الصدام العلني مع إسرائيل التجنيد العسكري، بما في ذلك تجنيد الأطفال، وسهّل تدريب وتلقين جيل جديد. وبحلول عام 2024، قُدّر عدد مقاتلي الحوثيين بنحو 350 ألفًا.
وتعزز التهديد الحوثي مع تنامي قدراتهم العسكرية. ففي المراحل الأولى من حرب غزة، كانت صواريخ الحوثيين عاجزة في الغالب عن بلوغ الأراضي الإسرائيلية؛ لكن بحلول مايو 2025، بات بإمكانها إصابة مطار بن غوريون قرب تل أبيب. وفي سبتمبر 2025، تمكنت طائرات مسيّرة حوثية من اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ما أسفر عن إصابة أكثر من 20 شخصًا في إيلات وضرب مطار رامون القريب. كما طالت صواريخ الحوثيين ميناء ينبع النفطي السعودي، على بُعد نحو 620 ميلًا من الحدود اليمنية. وفي الوقت نفسه، وفّرت حرب غزة للحوثيين خبرة عملياتية ثمينة حسّنت دقة الاستهداف واختبرت أسلحة جديدة، بينها صواريخ باليستية مزودة بذخائر عنقودية.
ولتوسيع ترسانتهم، نوّع الحوثيون سلاسل الإمداد وأقاموا علاقات مع خصوم متعددين للولايات المتحدة، من بينهم الصين وروسيا إلى جانب إيران. فمنذ سنوات، تزود طهران الحوثيين بالسلاح التقليدي والتدريب، وقد ضاعفت دعمها مع تراجع بقية أركان محورها الإقليمي. لكن الحوثيين باتوا اليوم يستوردون أيضًا مكونات مزدوجة الاستخدام ومواد عسكرية من الصين لاستخدامها في التصنيع المحلي. وفي سبتمبر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 32 فردًا وكيانًا مرتبطًا بالحوثيين، بينهم عدة أطراف مقرها الصين، بتهم جمع أموال غير مشروع والتهريب وتوريد السلاح.
ومن جهتها، شاركت روسيا — عبر الحرس الثوري الإيراني — بيانات استهداف لمساعدة الحوثيين على ضرب سفن غربية، وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال». كما سلّمت موسكو شحنات نفط إلى الحوثيين عبر ميناء الحديدة. وفي الصومال، قدّم الحوثيون سلاحًا وتدريبًا لحركة «الشباب» الجهادية السنية مقابل المال واحتمال الشراكة في تعطيل الملاحة في خليج عدن. وأصبحت الصومال أيضًا محطة عبور مهمة لتهريب السلاح إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
وقد أوضح زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، أن طموحات الجماعة لا تقف عند حدود اليمن. فتوحد العالم الإسلامي ضد النفوذ الغربي وإسرائيل جزء من عقيدتهم الأساسية منذ نشأة الحركة مطلع الألفية، وقد تضخم هذا الهدف بفعل حرب غزة. ويؤكد الحوثي أن جولات قتال أخرى مع إسرائيل «حتمية»، وأن السعودية والإمارات مجرد أدوات في مشروع إقليمي أميركي–إسرائيلي وخائنين للقضية الفلسطينية. وهو يتباهى اليوم بأن حركته تدرب أكثر من مليون مجاهد، وأن اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين يتصدر العالم العربي في الإنتاج والتصنيع العسكريين. ورغم أن هذه الادعاءات مبالغ فيها، فإنها تعزز صورة الحوثيين الذاتية بوصفهم رأس حربة «المقاومة» العربية.
مع صعود حضورهم، تلقّى الحوثيون بعض الضربات. فقد دمرت عملية «راوف رايدر» — حملة قصف مكثفة استمرت 52 يومًا أطلقتها إدارة ترامب في مارس — العديد من مخازن السلاح ومرافق التصنيع الحوثية، وإن ظل حجم الأضرار الكامل غير واضح. كما أن قرار الولايات المتحدة هذا العام إعادة تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية فرض ضغوطًا اقتصادية على مناطق سيطرتها عبر قطع الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.
ومنذ صيف 2024، ألحق القصف الإسرائيلي أضرارًا كبيرة بالمناطق الخاضعة للحوثيين، فأغلق المطار الدولي الوحيد في الشمال، ودمّر جزءًا كبيرًا من ميناء الحديدة، وأحدث فوضى في البنية التحتية الكهربائية. واستهدفت إسرائيل أيضًا قيادة الحوثيين بنجاح نسبي؛ ففي أغسطس، قُتل رئيس الوزراء وأعضاء آخرون من حكومة صنعاء الخاضعة للحوثيين، وإن لم يكونوا من صقور الحركة الأيديولوجيين. وفي أكتوبر، أكد الحوثيون اغتيال رئيس أركانهم، وهو استراتيجي عسكري بارز. ورغم أن هذه الضربات لم تطل رأس الهرم القيادي، فإنها دفعت القادة إلى العمل السري، وأبطأت الاتصالات، وأشاعت شائعات عن خسائر إضافية.
ومع ذلك، فإن نهج واشنطن تجاه اليمن مليء بالتناقضات. فالهدنة الثنائية مع الحوثيين في مايو وفرت مخرجًا سريعًا من عملية «راوف رايدر» التي تجاوزت كلفتها مليار دولار واستنزفت أصولًا عسكرية مطلوبة في ساحات أخرى، لكنها لم تمنع الحوثيين من مواصلة الهجمات على أهداف غير أميركية في البحر الأحمر أو إطلاق مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. ولم تقدم الهدنة استراتيجية طويلة الأمد لحماية المصالح الأميركية في البحر الأحمر أو الخليج.
بل على العكس، أتاحت الهدنة للحوثيين تصعيد معاركهم الداخلية والإقليمية بكلفة أقل، فيما علّقت إدارة ترامب معظم المساعدات الإنسانية لليمن، بما في ذلك مناطق سيطرة الحكومة التي تقول واشنطن إنها تدعمها. وفي بلد يحتاج فيه 24 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية، ويعاني أكثر من 14 مليونًا من احتياجات حادة، يشكل ذلك ضربة قاسية.
وفي الوقت نفسه، أدى تشديد العقوبات وإغلاق مسارات الدبلوماسية أمام الحوثيين إلى تقويض أي أفق لاتفاق سلام تفاوضي في المدى القريب. ولم تعد للولايات المتحدة مبعوثة خاصة لليمن، في مؤشر على تراجع أولوية الملف. كما لا تدعم الإدارة العودة إلى صيغة ما قبل حرب غزة، التي كانت تقضي بوقف إطلاق النار والدخول في مسار سياسي مقابل حوافز مالية تشمل دفع رواتب القطاع العام. ومع ذلك، لا يعمل كثيرون في واشنطن على بلورة مسار بديل.
مع الاضطراب الجديد في الجنوب، قد تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج أزمة أوسع. فمن الممكن أن تعمل الإمارات والسعودية على احتواء الصدمة الناجمة عن سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت عبر تفاهم مشترك يحد من التوترات داخل الحكومة اليمنية. وقد يفضي ذلك إلى جبهة أكثر توحدًا ضد الحوثيين، بما يتيح استئناف البحث في تسوية سياسية أو محاولة انتزاع أراضٍ من الحوثيين في الشمال قبل أي محادثات محتملة.
وقد أعلن رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، أن «الهدف التالي يجب أن يكون صنعاء، سلميًا أو عبر الحرب». وأي اتفاق يتيح لقوات المجلس دعم المقاتلين على ساحل البحر الأحمر وفي مأرب لاستعادة الشمال سيكون بالغ الصعوبة، وقد يتطلب ضمانات للحكم الذاتي الجنوبي وربما استفتاء مستقبلي. لكن كل ذلك غير ممكن قبل حل المأزق الراهن في حضرموت بما يراعي هواجس السعودية الأمنية.
الوقت يضيق. فاحتمال اندلاع قتال بين فصائل حكومية قائم، ما قد يمكّن الحوثيين من تحقيق مكاسب إضافية. وإذا أعلن المجلس الانتقالي الاستقلال — وهو ما يبدو مترددًا فيه حاليًا لغياب الاعتراف الدولي — فقد يدفع ذلك إلى إعادة اصطفاف قوى الشمال ضده.
وحتى إن لم تُشعل حملة المجلس حربًا أوسع، سيحتاج الحوثيون قريبًا إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية. وقد يعني ذلك الاستيلاء على موارد إضافية داخل اليمن، مثل السيطرة على مأرب الغنية بالنفط، أو إرغام السعودية على تقديم تنازلات مالية جديدة. وقد هدد الحوثيون الرياض علنًا، مطالبين بإنهاء الحرب، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، ودفع تعويضات عن أضرار الغارات بين 2015 و2022. ويعكس خطابهم، بما فيه إعادة نشر مقاطع لهجمات سابقة داخل السعودية وضد منشآت «أرامكو»، استعدادهم لاستخدام القوة.
ومع تركيز السعوديين على أولويات داخلية وتنامي الشكوك حيال المظلة الأمنية الأميركية، قد يرضخون لهذه الضغوط. ورغم أن أي توسع حوثي سيواجه مقاومة يمنية داخلية، قد تتردد الرياض في دعم خصوم الحوثيين خشية تجدد الهجمات. أو قد يسعى الحوثيون إلى مكاسب عبر استمالة زعماء قبليين موالين للحكومة حول مأرب. وكل مسار من هذه المسارات يمنح الحوثيين موارد إضافية للتسلح لمعارك مستقبلية مع الولايات المتحدة وشركائها، ويقوض فرص تسوية سياسية جامعة.
وقد تعهدت إسرائيل بمعاقبة قيادة الحوثيين، وأنشأت وحدة استخبارات جديدة تركز على اليمن. وإذا انهار وقف إطلاق النار في غزة، ستستأنف المواجهات بين الحوثيين وإسرائيل، ما قد يشتت الحوثيين ويفتح فرصًا لخصومهم اليمنيين. لكن لا يمكن لواشنطن التعويل على إسرائيل لمعالجة التحدي الحوثي.
فالحوثيون بعيدون جغرافيًا عن إسرائيل، ومتحصنون في تضاريس جبلية تشبه أفغانستان. وكما أثبتت الحملات السعودية والأميركية، لا يمكن هزيمتهم بالقصف الجوي وحده. كما أن إسرائيل غير شعبية على نطاق واسع في مناطق سيطرة الحوثيين، وأي ضربات إضافية — خصوصًا ضد البنية التحتية المدنية — قد تحشد اليمنيين خلف عدو خارجي مكروه. وحتى إن نجحت إسرائيل في اغتيالات إضافية، فقد تفضي إلى قيادة حوثية أكثر تشددًا أو صراع نفوذ جديد يزعزع الاستقرار الإقليمي.
إن رغبة واشنطن في تجنب التورط في حرب مكلفة باليمن مفهومة. فشهران تقريبًا من القصف المكثف ألحقا أذى بالحوثيين دون تغيير سلوكهم أو قبضتهم على السلطة. وتبرز حملة المجلس الانتقالي تعقيدات المشهد اليمني وتصدعات التحالف الداعم للحكومة. لكن نظرًا لموقع اليمن الاستراتيجي على ممر البحر الأحمر وقربه من حلفاء الخليج، لا تستطيع إدارة ترامب ترك فراغ سياسي.
ولمنع انفجار أوسع، يتعين على الولايات المتحدة إعادة تكريس اهتمام جاد باليمن. والأولوية الملحة هي الضغط على السعودية والإمارات لخفض التصعيد سريعًا في الجنوب والتوصل إلى مقاربة مشتركة، تمهيدًا لمعالجة ملف الحوثيين. وفي الوقت نفسه، يجب مساعدة القوات اليمنية المتحالفة مع الحكومة على تثبيت الجبهات الحيوية، ولا سيما في مأرب وعلى ساحل البحر الأحمر، لدفع الحوثيين إلى التسوية. ويمكن لضمانات أمنية أميركية معززة للرياض وأبوظبي أن تلعب دورًا مهمًا عبر تأكيد الاستعداد للدفاع عنهما إذا تعرضتا لهجمات.
كما ينبغي لواشنطن إحياء مسار دبلوماسي مخصص. فاليمن في حرب منذ أكثر من عقد، وكلفة ذلك على السكان كارثية وستترك آثارًا طويلة الأمد. ولا يمكن حل التحديات الحوثية واليمنية عبر الضغط الاقتصادي أو القصف الخارجي وحدهما. فالإكراه مطلوب، ولا سيما الضغط السياسي والعسكري من الداخل، لكن فتح مسارات التهدئة والدبلوماسية لا يقل أهمية. ولهذا، يجب التنسيق مع جميع الأطراف المعنية — اليمنيين، والسعودية، والإمارات، وعُمان، والأمم المتحدة، وغيرهم — لرسم تسوية معدلة.
على إدارة ترامب أن تدرك أن النظام الأمني الإقليمي الذي تسعى لبنائه بعد غزة، والمتمركز حول الخليج، لن ينجح إذا انزلق اليمن إلى الفوضى. ومن دون انخراط أميركي، ستواصل السعودية والإمارات دعم قوى متنافسة داخل الحكومة، ما يعمق التوترات بين حليفين لواشنطن، ويزيد الانقسامات اليمنية، ويمنح الحوثيين — وجماعات عنيفة أخرى مثل «القاعدة» — فرصًا للاستفادة، بما قد يفضي إلى تجدد عمليات الحوثيين إقليميًا.
إعادة الاستقرار إلى اليمن لن تكون سهلة. وستتطلب ضمانات أمنية للبحر الأحمر وجيرانه في الخليج، ومعالجة مطالب المجلس الانتقالي بالاستقلال الجنوبي، وإدماج الحوثيين في عملية سياسية تُعيد توجيه تركيزهم إلى الداخل بمنحهم مصلحة في مستقبل أفضل. قد تتعثر الصفقة أمام تضارب المصالح، لكن التقاعس أسوأ بكثير، إذ يكاد يضمن استمرار تسرب أزمات اليمن إلى أحد أهم ممرات الشحن في العالم وإلى الشرق الأوسط الأوسع. قد لا تحتاج واشنطن إلى قيادة الملف، لكن المخاطر أكبر من أن تُترك دون حضور.
من بين التداعيات الإقليمية الأوسع لوقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر، كان يُفترض أن يبرز أثر مهم يتمثل في هدوء جديد في البحر الأحمر وربما في اليمن. وبالفعل، ونتيجة للهدنة، أوقف الحوثيون — الجماعة المسلحة الثقيلة التي تسيطر على شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، والمتحالفة مع حماس وإيران — هجماتهم على الملاحة التجارية في البحر الأحمر وضد إسرائيل. كما بدا أن اتفاقًا سابقًا بوساطة عُمانية بين الحوثيين والحكومة الأميركية قد أسهم في تهدئة التهديد الحوثي المباشر للأصول الأميركية في ممرات الشحن. وداخل اليمن، كانت لا تزال هدنة هشة عمرها ثلاثة أعوام ونصف العام قائمة في الحرب الأهلية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا. ورغم أن الحوثيين لم يُهزموا، بدا أن مسؤولين أميركيين اعتقدوا أن الوضع في البلاد قد هدأ وأن بإمكانهم تحويل انتباههم إلى ملفات أخرى.
لكن بعد أقل من شهرين، بدأ ذلك الهدوء النسبي يتلاشى. ففي أوائل ديسمبر، أطلق انفصاليون جنوبيون حملة واسعة للسيطرة على أجزاء كبيرة من حضرموت، المنطقة النفطية المتاخمة للسعودية، والمهرة، المحافظة الحدودية مع عُمان. ويُمثل هذا الهجوم، الذي قاده المجلس الانتقالي الجنوبي — وهو جزء من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لكنه يدعو إلى استقلال جنوب اليمن — تحولًا زلزاليًا في ميزان القوى داخل البلاد. فالمجلس مدعوم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد أثار توسعه الجريء توترات جديدة مع السعودية، التي تدعم فصائل منافسة داخل الحكومة وتنظر إلى السيطرة على هذه المناطق بوصفها تهديدًا محتملًا لأمنها القومي. والأكثر إثارة للقلق أن هجوم المجلس الانتقالي مرشح لأن يوفر ذريعة لتحركات أوسع من جانب الحوثيين.
وبالتوازي مع تطورات حملة المجلس الانتقالي، تعهّد الحوثيون بتوسيع سيطرتهم على مناطق إنتاج النفط والغاز في شرق البلاد. وبمساعدة من إيران ودول أخرى، واصل الحوثيون بلا كلل توسيع ترسانتهم من الأسلحة التقليدية المتقدمة، كما كثفوا الإنتاج المحلي للسلاح، بما في ذلك القدرة على تجميع الصواريخ الباليستية وتصنيع الطائرات المسيّرة قصيرة المدى بشكل مستقل. وتؤكد أفعال الجماعة وخطابها استمرار طموحها للسيطرة على كامل اليمن ومواصلة مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية والإمارات. وإذا تعثّر وقف إطلاق النار في غزة، فإن الحوثيين مستعدون لاستئناف هجماتهم في البحر الأحمر، وبعد أن لمسوا فاعلية تلك الحملة، قد يعاودون إطلاقها لأسباب أخرى مستقبلًا.
تتجاهل الولايات المتحدة اليمن على مسؤوليتها. فحتى الآن، اكتفت إدارة ترامب بفرض عقوبات على الحوثيين، والحفاظ على هدنة ثنائية مع الجماعة، والتعويل على أن تتولى إسرائيل وشركاء واشنطن في الخليج معالجة بقية الملفات بأنفسهم. كما تراجعت الإدارة إلى حد كبير عن دعم الحكومة اليمنية وتقديم قيادة دبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية.
لكن من دون استراتيجية أميركية أشمل، قد تنقلب الضغوط المالية على الحوثيين بنتائج عكسية. فقبل تحرك المجلس الانتقالي في ديسمبر، لمح قادة الحوثيين إلى احتمال السعي للسيطرة على مزيد من الأراضي أو ابتزاز تنازلات مالية من السعودية للحصول على موارد إضافية. واليوم، جعل الاضطراب في الجنوب البلاد أكثر قابلية للاشتعال، مهددًا بإحياء صراع لطالما صبّ في مصلحة الحوثيين. وأي عودة إلى حرب شاملة ستترك ارتداداتها عبر الخليج ومنطقة البحر الأحمر.
- محور التحدّي
مع انقشاع غبار حرب إسرائيل على غزة، يبرز الحوثيون كحالة شاذة. فبعد تدمير حماس إلى حد بعيد، وتعرض حزب الله في لبنان لضربات قاصمة، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتجنّب الميليشيات الشيعية في العراق الصدام مع إسرائيل، باتت بقية أطراف ما كان يُعرف بمحور المقاومة الإيراني أضعف بكثير. وعلى النقيض، خرج الحوثيون أكثر جرأة بفعل حرب غزة، التي مكّنت قيادتهم من تشديد صلابة نواتهم الأيديولوجية، وتهميش البراغماتيين، وتعزيز قناعة أنصارهم بأنهم في مهمة دينية لتحرير فلسطين وقلب نظام إقليمي تهيمن عليه الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد حصد الحوثيون مكاسب ملموسة من هذا التحدي. فببقائهم في حالة حرب، أفلتوا من المساءلة عن تفاقم الفقر وعن الفشل في دفع رواتب موظفي القطاع العام في مناطق سيطرتهم. كما استغلوا الصراع لتشديد القمع على خصومهم المفترضين، وتضييق هامش المعارضة، وإحكام قبضتهم على السلطة. وفي الوقت ذاته، عزز الصدام العلني مع إسرائيل التجنيد العسكري، بما في ذلك تجنيد الأطفال، وسهّل تدريب وتلقين جيل جديد. وبحلول عام 2024، قُدّر عدد مقاتلي الحوثيين بنحو 350 ألفًا.
وتعزز التهديد الحوثي مع تنامي قدراتهم العسكرية. ففي المراحل الأولى من حرب غزة، كانت صواريخ الحوثيين عاجزة في الغالب عن بلوغ الأراضي الإسرائيلية؛ لكن بحلول مايو 2025، بات بإمكانها إصابة مطار بن غوريون قرب تل أبيب. وفي سبتمبر 2025، تمكنت طائرات مسيّرة حوثية من اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ما أسفر عن إصابة أكثر من 20 شخصًا في إيلات وضرب مطار رامون القريب. كما طالت صواريخ الحوثيين ميناء ينبع النفطي السعودي، على بُعد نحو 620 ميلًا من الحدود اليمنية. وفي الوقت نفسه، وفّرت حرب غزة للحوثيين خبرة عملياتية ثمينة حسّنت دقة الاستهداف واختبرت أسلحة جديدة، بينها صواريخ باليستية مزودة بذخائر عنقودية.
ولتوسيع ترسانتهم، نوّع الحوثيون سلاسل الإمداد وأقاموا علاقات مع خصوم متعددين للولايات المتحدة، من بينهم الصين وروسيا إلى جانب إيران. فمنذ سنوات، تزود طهران الحوثيين بالسلاح التقليدي والتدريب، وقد ضاعفت دعمها مع تراجع بقية أركان محورها الإقليمي. لكن الحوثيين باتوا اليوم يستوردون أيضًا مكونات مزدوجة الاستخدام ومواد عسكرية من الصين لاستخدامها في التصنيع المحلي. وفي سبتمبر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 32 فردًا وكيانًا مرتبطًا بالحوثيين، بينهم عدة أطراف مقرها الصين، بتهم جمع أموال غير مشروع والتهريب وتوريد السلاح.
ومن جهتها، شاركت روسيا — عبر الحرس الثوري الإيراني — بيانات استهداف لمساعدة الحوثيين على ضرب سفن غربية، وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال». كما سلّمت موسكو شحنات نفط إلى الحوثيين عبر ميناء الحديدة. وفي الصومال، قدّم الحوثيون سلاحًا وتدريبًا لحركة «الشباب» الجهادية السنية مقابل المال واحتمال الشراكة في تعطيل الملاحة في خليج عدن. وأصبحت الصومال أيضًا محطة عبور مهمة لتهريب السلاح إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
وقد أوضح زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، أن طموحات الجماعة لا تقف عند حدود اليمن. فتوحد العالم الإسلامي ضد النفوذ الغربي وإسرائيل جزء من عقيدتهم الأساسية منذ نشأة الحركة مطلع الألفية، وقد تضخم هذا الهدف بفعل حرب غزة. ويؤكد الحوثي أن جولات قتال أخرى مع إسرائيل «حتمية»، وأن السعودية والإمارات مجرد أدوات في مشروع إقليمي أميركي–إسرائيلي وخائنين للقضية الفلسطينية. وهو يتباهى اليوم بأن حركته تدرب أكثر من مليون مجاهد، وأن اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين يتصدر العالم العربي في الإنتاج والتصنيع العسكريين. ورغم أن هذه الادعاءات مبالغ فيها، فإنها تعزز صورة الحوثيين الذاتية بوصفهم رأس حربة «المقاومة» العربية.
- ضغط بلا سياسة
مع صعود حضورهم، تلقّى الحوثيون بعض الضربات. فقد دمرت عملية «راوف رايدر» — حملة قصف مكثفة استمرت 52 يومًا أطلقتها إدارة ترامب في مارس — العديد من مخازن السلاح ومرافق التصنيع الحوثية، وإن ظل حجم الأضرار الكامل غير واضح. كما أن قرار الولايات المتحدة هذا العام إعادة تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية فرض ضغوطًا اقتصادية على مناطق سيطرتها عبر قطع الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.
ومنذ صيف 2024، ألحق القصف الإسرائيلي أضرارًا كبيرة بالمناطق الخاضعة للحوثيين، فأغلق المطار الدولي الوحيد في الشمال، ودمّر جزءًا كبيرًا من ميناء الحديدة، وأحدث فوضى في البنية التحتية الكهربائية. واستهدفت إسرائيل أيضًا قيادة الحوثيين بنجاح نسبي؛ ففي أغسطس، قُتل رئيس الوزراء وأعضاء آخرون من حكومة صنعاء الخاضعة للحوثيين، وإن لم يكونوا من صقور الحركة الأيديولوجيين. وفي أكتوبر، أكد الحوثيون اغتيال رئيس أركانهم، وهو استراتيجي عسكري بارز. ورغم أن هذه الضربات لم تطل رأس الهرم القيادي، فإنها دفعت القادة إلى العمل السري، وأبطأت الاتصالات، وأشاعت شائعات عن خسائر إضافية.
ومع ذلك، فإن نهج واشنطن تجاه اليمن مليء بالتناقضات. فالهدنة الثنائية مع الحوثيين في مايو وفرت مخرجًا سريعًا من عملية «راوف رايدر» التي تجاوزت كلفتها مليار دولار واستنزفت أصولًا عسكرية مطلوبة في ساحات أخرى، لكنها لم تمنع الحوثيين من مواصلة الهجمات على أهداف غير أميركية في البحر الأحمر أو إطلاق مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. ولم تقدم الهدنة استراتيجية طويلة الأمد لحماية المصالح الأميركية في البحر الأحمر أو الخليج.
بل على العكس، أتاحت الهدنة للحوثيين تصعيد معاركهم الداخلية والإقليمية بكلفة أقل، فيما علّقت إدارة ترامب معظم المساعدات الإنسانية لليمن، بما في ذلك مناطق سيطرة الحكومة التي تقول واشنطن إنها تدعمها. وفي بلد يحتاج فيه 24 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية، ويعاني أكثر من 14 مليونًا من احتياجات حادة، يشكل ذلك ضربة قاسية.
وفي الوقت نفسه، أدى تشديد العقوبات وإغلاق مسارات الدبلوماسية أمام الحوثيين إلى تقويض أي أفق لاتفاق سلام تفاوضي في المدى القريب. ولم تعد للولايات المتحدة مبعوثة خاصة لليمن، في مؤشر على تراجع أولوية الملف. كما لا تدعم الإدارة العودة إلى صيغة ما قبل حرب غزة، التي كانت تقضي بوقف إطلاق النار والدخول في مسار سياسي مقابل حوافز مالية تشمل دفع رواتب القطاع العام. ومع ذلك، لا يعمل كثيرون في واشنطن على بلورة مسار بديل.
- سباق النفوذ الجديد
مع الاضطراب الجديد في الجنوب، قد تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج أزمة أوسع. فمن الممكن أن تعمل الإمارات والسعودية على احتواء الصدمة الناجمة عن سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت عبر تفاهم مشترك يحد من التوترات داخل الحكومة اليمنية. وقد يفضي ذلك إلى جبهة أكثر توحدًا ضد الحوثيين، بما يتيح استئناف البحث في تسوية سياسية أو محاولة انتزاع أراضٍ من الحوثيين في الشمال قبل أي محادثات محتملة.
وقد أعلن رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، أن «الهدف التالي يجب أن يكون صنعاء، سلميًا أو عبر الحرب». وأي اتفاق يتيح لقوات المجلس دعم المقاتلين على ساحل البحر الأحمر وفي مأرب لاستعادة الشمال سيكون بالغ الصعوبة، وقد يتطلب ضمانات للحكم الذاتي الجنوبي وربما استفتاء مستقبلي. لكن كل ذلك غير ممكن قبل حل المأزق الراهن في حضرموت بما يراعي هواجس السعودية الأمنية.
الوقت يضيق. فاحتمال اندلاع قتال بين فصائل حكومية قائم، ما قد يمكّن الحوثيين من تحقيق مكاسب إضافية. وإذا أعلن المجلس الانتقالي الاستقلال — وهو ما يبدو مترددًا فيه حاليًا لغياب الاعتراف الدولي — فقد يدفع ذلك إلى إعادة اصطفاف قوى الشمال ضده.
وحتى إن لم تُشعل حملة المجلس حربًا أوسع، سيحتاج الحوثيون قريبًا إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية. وقد يعني ذلك الاستيلاء على موارد إضافية داخل اليمن، مثل السيطرة على مأرب الغنية بالنفط، أو إرغام السعودية على تقديم تنازلات مالية جديدة. وقد هدد الحوثيون الرياض علنًا، مطالبين بإنهاء الحرب، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، ودفع تعويضات عن أضرار الغارات بين 2015 و2022. ويعكس خطابهم، بما فيه إعادة نشر مقاطع لهجمات سابقة داخل السعودية وضد منشآت «أرامكو»، استعدادهم لاستخدام القوة.
ومع تركيز السعوديين على أولويات داخلية وتنامي الشكوك حيال المظلة الأمنية الأميركية، قد يرضخون لهذه الضغوط. ورغم أن أي توسع حوثي سيواجه مقاومة يمنية داخلية، قد تتردد الرياض في دعم خصوم الحوثيين خشية تجدد الهجمات. أو قد يسعى الحوثيون إلى مكاسب عبر استمالة زعماء قبليين موالين للحكومة حول مأرب. وكل مسار من هذه المسارات يمنح الحوثيين موارد إضافية للتسلح لمعارك مستقبلية مع الولايات المتحدة وشركائها، ويقوض فرص تسوية سياسية جامعة.
وقد تعهدت إسرائيل بمعاقبة قيادة الحوثيين، وأنشأت وحدة استخبارات جديدة تركز على اليمن. وإذا انهار وقف إطلاق النار في غزة، ستستأنف المواجهات بين الحوثيين وإسرائيل، ما قد يشتت الحوثيين ويفتح فرصًا لخصومهم اليمنيين. لكن لا يمكن لواشنطن التعويل على إسرائيل لمعالجة التحدي الحوثي.
فالحوثيون بعيدون جغرافيًا عن إسرائيل، ومتحصنون في تضاريس جبلية تشبه أفغانستان. وكما أثبتت الحملات السعودية والأميركية، لا يمكن هزيمتهم بالقصف الجوي وحده. كما أن إسرائيل غير شعبية على نطاق واسع في مناطق سيطرة الحوثيين، وأي ضربات إضافية — خصوصًا ضد البنية التحتية المدنية — قد تحشد اليمنيين خلف عدو خارجي مكروه. وحتى إن نجحت إسرائيل في اغتيالات إضافية، فقد تفضي إلى قيادة حوثية أكثر تشددًا أو صراع نفوذ جديد يزعزع الاستقرار الإقليمي.
- من الأساس
إن رغبة واشنطن في تجنب التورط في حرب مكلفة باليمن مفهومة. فشهران تقريبًا من القصف المكثف ألحقا أذى بالحوثيين دون تغيير سلوكهم أو قبضتهم على السلطة. وتبرز حملة المجلس الانتقالي تعقيدات المشهد اليمني وتصدعات التحالف الداعم للحكومة. لكن نظرًا لموقع اليمن الاستراتيجي على ممر البحر الأحمر وقربه من حلفاء الخليج، لا تستطيع إدارة ترامب ترك فراغ سياسي.
ولمنع انفجار أوسع، يتعين على الولايات المتحدة إعادة تكريس اهتمام جاد باليمن. والأولوية الملحة هي الضغط على السعودية والإمارات لخفض التصعيد سريعًا في الجنوب والتوصل إلى مقاربة مشتركة، تمهيدًا لمعالجة ملف الحوثيين. وفي الوقت نفسه، يجب مساعدة القوات اليمنية المتحالفة مع الحكومة على تثبيت الجبهات الحيوية، ولا سيما في مأرب وعلى ساحل البحر الأحمر، لدفع الحوثيين إلى التسوية. ويمكن لضمانات أمنية أميركية معززة للرياض وأبوظبي أن تلعب دورًا مهمًا عبر تأكيد الاستعداد للدفاع عنهما إذا تعرضتا لهجمات.
كما ينبغي لواشنطن إحياء مسار دبلوماسي مخصص. فاليمن في حرب منذ أكثر من عقد، وكلفة ذلك على السكان كارثية وستترك آثارًا طويلة الأمد. ولا يمكن حل التحديات الحوثية واليمنية عبر الضغط الاقتصادي أو القصف الخارجي وحدهما. فالإكراه مطلوب، ولا سيما الضغط السياسي والعسكري من الداخل، لكن فتح مسارات التهدئة والدبلوماسية لا يقل أهمية. ولهذا، يجب التنسيق مع جميع الأطراف المعنية — اليمنيين، والسعودية، والإمارات، وعُمان، والأمم المتحدة، وغيرهم — لرسم تسوية معدلة.
على إدارة ترامب أن تدرك أن النظام الأمني الإقليمي الذي تسعى لبنائه بعد غزة، والمتمركز حول الخليج، لن ينجح إذا انزلق اليمن إلى الفوضى. ومن دون انخراط أميركي، ستواصل السعودية والإمارات دعم قوى متنافسة داخل الحكومة، ما يعمق التوترات بين حليفين لواشنطن، ويزيد الانقسامات اليمنية، ويمنح الحوثيين — وجماعات عنيفة أخرى مثل «القاعدة» — فرصًا للاستفادة، بما قد يفضي إلى تجدد عمليات الحوثيين إقليميًا.
إعادة الاستقرار إلى اليمن لن تكون سهلة. وستتطلب ضمانات أمنية للبحر الأحمر وجيرانه في الخليج، ومعالجة مطالب المجلس الانتقالي بالاستقلال الجنوبي، وإدماج الحوثيين في عملية سياسية تُعيد توجيه تركيزهم إلى الداخل بمنحهم مصلحة في مستقبل أفضل. قد تتعثر الصفقة أمام تضارب المصالح، لكن التقاعس أسوأ بكثير، إذ يكاد يضمن استمرار تسرب أزمات اليمن إلى أحد أهم ممرات الشحن في العالم وإلى الشرق الأوسط الأوسع. قد لا تحتاج واشنطن إلى قيادة الملف، لكن المخاطر أكبر من أن تُترك دون حضور.
* أبريل لونغلي آلي: زميلة أولى في معهد واشنطن، وعملت مستشارة سياسية أولى للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن بين عامي 2020 و2024.
** عن فورين افيرز













