في الجنوب، لا نحتاج إلى دروس في معنى "الوحدة" فقد جربناها، ودفعنا ثمنها، وخرجنا منها بجسد مثخن بالخيانة، وروح تبحث عن خلاص.

الوحدة لم تكن مشروعًا وطنيًا، بل فخًا سياسيًا نصب بإتقان، وسقطنا فيه باسم "القومية" و"الهوية الواحدة" و"القدر التاريخي".

لكن ما سمي وحدة لم يكن سوى اجتياح ناعم أولًا، ثم اجتياح عسكري صريح في 1994، حين قرر الشمال أن الجنوب ليس شريكًا، بل غنيمة.

لم يكن الصراع بين الشمال والجنوب صراعًا بين رؤيتين، بل بين مشروع يريد أن يبني دولة، وآخر يريد أن يبتلعها.

الجنوب، رغم كل عثراته، حاول أن يؤسس دولة حديثة، بمؤسسات واضحة، وهوية مدنية، وتجربة اجتماعية متقدمة.

لكن الشمال، الذي لم يعرف الدولة إلا كغنيمة، رأى في الجنوب فرصة للنهب لا للشراكة، للهيمنة لا للتكامل.

دخلنا الوحدة بقلوب مفتوحة، فاستقبلنا بالدبابات.

قدمنا الأرض والثروة والهوية، فكان الرد الإقصاء والتهميش والتنكيل.

حتى حين صمتنا، لم يترك لنا حق الحلم، ولا حتى حق الحنين.

لكن الحقيقة المرة أن الشمال لم يكن وحده في الجريمة.

بعض أبناء الجنوب خانوا الأرض، وارتضوا أن يكونوا أدوات في يد المحتل الجديد.

باعوا التاريخ مقابل مناصب، وباركوا النهب مقابل أعلام مرفوعة في قاعات الفنادق.

وهكذا، لم يهزم الجنوب فقط من الخارج، بل من خاصرته الرخوة.

لسنا"قضية جنوبية" تناقش في لجان المصالحة، ولا "ملفًا" يرحل من جولة إلى أخرى.

نحن وطن سلبت دولته، وشعب أقصي من قراره، وهوية حوصرت بين إعلام يزور، ونخب تساوم.

نحن لسنا أقلية تطالب بحقوقها، بل شعب يطالب باستعادة دولته كاملة غير منقوصة.

نعم، نريد أن نكون "بنيانًا مرصوصًا"، لكن ليس على ركام الخديعة.

نريده بنيانًا جنوبيًا، متماسكًا، لا يبنى على الولاءات المناطقية، ولا على صراعات الرفاق القديمة.

بنيانًا لا يقصي حضرموت ولا يهمش المهرة، ولا يعيد إنتاج المركزية باسم "التحرير".

بنيانًا يعيد تعريف الجنوب كفضاء للعدالة، لا كغنيمة جديدة تقسم بين المنتصرين.

وإننا إذ نرفض وحدة الجغرافيا المفروضة قسرًا، فإننا نؤمن بوحدة أعمق، وأبقى، وأصدق: وحدة المعتقد، لا وحدة التراب.

الوحدة الحقيقية هي تلك التي تجمعنا على عقيدة وسطية متزنة، منفتحة على الإنسان، تحفظه وتحميه، وتخدمه وتيسر عيشه، وتصون دمه وعرضه وكرامته.

وحدة لا تبنى على شعارات قومية جوفاء، بل على قيم ربانية عادلة، تجعل من الإنسان غاية لا وسيلة، ومن الدولة خادمًا لا سيدًا.

وحدة لا تفرض بالسلاح، بل تختار بالرضا، وتصان بالعدل، وتثمر بالرحمة، المخرج ليس في ترقيع الوحدة، بل في تمزيق قيدها.

ليس في "حلول وسط"، بل في استعادة الدولة الجنوبية، بكل ما تعنيه من سيادة وقرار وهوية.

حينها فقط، يمكن أن نعيد تعريف العلاقة مع الشمال، لا كأتباع، بل كند لند. حينها فقط، يمكن أن نكتب عقدًا جديدًا، لا يفرض علينا، بل نكتبه بأيدينا، ونوقعه بكرامتنا، قد يسقط الجنوب، لكنه لا يموت. قد يخدع، لكنه لا ينسى.

وفي كل مرة يظن أنه انتهى، يعود من تحت الركام، أكثر وعيًا، وأشد صلابة.

لأن الجنوب، حين يكون واحدًا يكون بنيانًا مرصوصًا، لا تهزه رياح الطمع، ولا تخيفه عواصف الخيانة.

لقد آن أوان الحقيقة، وسقطت آخر أوراق التوت عن جسد الوحدة الميت. لم تعد الشعارات قادرة على ستر العجز، ولا الخطابات قادرة على إحياء ما مات في القلوب. إننا لا نعلن الانفصال، بل نعلن استعادة ما سُلب، ونرسم ملامح دولةٍ وُلدت من رحم المعاناة، لا من كرم الواهمين. فليكن عام 2026 شاهدًا لا على الانتظار، بل على الاعتراف. الاعتراف بدولةٍ جديدة، بهويةٍ واضحة، وإرادةٍ لا تُكسر.