> يافع «الأيام» صالح لجوري:

في أسواق النجد بمدينة الفيض بيافع يقف المهندس طيار العميد شفيق محمد عاطف الكلدي بملابس العمل أمام مضخات الوقود يستقبل السيارات بابتسامة هادئة تخفي وراءها سنوات طويلة من الألم.

لا يعرفه معظم المارة ولا يدركون أن هذا العامل البسيط كان يومًا مهندسًا طيارًا حربيًا في القوات الجوية لجيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وأنه أمضى سنوات من عمره في خدمة وطنه قبل أن تنقلب حياته رأسًا على عقب.

المهندس طيار العميد شفيق محمد عاطف الكلدي
المهندس طيار العميد شفيق محمد عاطف الكلدي

لم يكن يتخيل أن ينتهي به المطاف يبحث عن أجر يومي لإعالة أسرته بعد أن كان يعمل في أحد أهم القطاعات العسكرية التي تتطلب التأهيل العلمي والخبرة والانضباط.

غير أن الحروب التي عصفت باليمن لم تكتفِ بتدمير المدن بل امتدت آثارها إلى الإنسان، فحطمت أحلامه وبددت مستقبله وألقت بكثير من الكفاءات خارج مؤسسات الدولة.

تعرض شفيق وعشرات الآلاف من أبناء الجنوب للتهميش بعد حرب صيف عام 1994 شأنه شأن أعداد كبيرة من الكوادر الجنوبية التي فقدت وظائفها أو حُرمت من حقوقها الوظيفية. ومنذ ذلك الوقت لم يحصل على ما يراه إنصافًا أو إعادة اعتبار تتناسب مع سنوات خدمته وخبرته.

اليوم يقف لساعات طويلة في محطة لبيع المحروقات يعمل بأجر متواضع لا يكاد يكفي احتياجات أسرته.


وبينما تمتد يده لتعبئة خزانات السيارات بالوقود تبقى ذاكرته معلقة بأيام كان يحمل فيها مسؤوليات أكبر ويؤدي دورًا مختلفًا تمامًا في خدمة وطنه.

إن قصة شفيق ليست مجرد حكاية شخصية بل نافذة تطل على واقع آلاف الكفاءات الجنوبية التي دفعت ثمن الصراعات السياسية والحروب المتعاقبة.

فحين تُهمَّش الخبرات وتُترك الكفاءات تواجه مصيرها وحدها.

لا يخسر الأفراد فقط بل يخسر الوطن جزءًا من ذاكرته وقدراته البشرية.

ولعلّ أكثر ما يؤلم في هذه القصة ليس انتقال رجل من وظيفة إلى أخرى فكل عمل شريف يستحق الاحترام وإنما أن يصل من أفنى سنوات عمره في خدمة مؤسسات الدولة إلى مرحلة يشعر فيها بأن تاريخه المهني قد طُوي دون تقدير أو إنصاف. 

كما تثير هذه القصة تساؤلات حول مسؤولية الحكومات والسلطات التي تعاقبت على إدارة البلاد وكذلك الجهات التي تولت إدارة بعض المحافظات الجنوبية حيث أنها لم تقدم أي معالجة لأوضاع الكوادر التي تعرضت للتهميش وتحويل الوعود إلى خطوات عملية تعيد لهذه الخبرات اعتبارها وتستفيد من إمكاناتها.

إن الدول تُقاس بقدرتها على صون كرامة الإنسان قبل تشييد المباني وإطلاق الشعارات، أما حين يُترك أصحاب الكفاءة والخبرة يكافحون وحدهم من أجل لقمة العيش فإن الخسارة لا تكون خسارتهم وحدهم بل خسارة وطن بأكمله.

قد تتغير المهن بفعل الظروف لكن التاريخ لا يتغير وسيظل شفيق محمد عاطف في نظر كل من يعرف سيرته مهندسًا طيارًا خدم وطنه حتى وإن انتهت به الظروف عاملًا في محطة وقود.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح أمام الجميع:

كم من شفيق محمد عاطف يعيش اليوم بصمت منتظرًا إنصافًا طال انتظاره؟