أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:09 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​اليمن.. بين مستنقع الجهل وطريق النهضة

    علي عبدربه غزال




    ​حين ننظر إلى اليمن اليوم، ثم نلتفت إلى ما حققته دول وشعوب مجاورة خلال العقود الماضية، يصعب على الإنسان أن يتجاهل حجم الفارق الذي اتسع عامًا بعد عام.

    ليست المشكلة أن اليمنيين أقل ذكاءً، ولا أن هذا الشعب يفتقر إلى الكفاءات أو الطاقات. فاليمن بلد عريق، وأبناؤه حاضرون في مختلف ميادين العلم والعمل، لكن المأساة أن أمة تمتلك الإنسان والتاريخ والموقع والثروات، ظلت تعيش لعقود طويلة في ظروف لم تساعدها على بناء مستقبل يليق بها.

    وبينما استطاعت دول مجاورة أن تخطط لمجتمعاتها لعشرات السنين، وتضع التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد في مقدمة أولوياتها، ظل اليمن ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن صراع إلى صراع، حتى أصبحت الأولويات الأساسية للحياة نفسها مؤجلة.

    هناك أمة يمنية تعيش في ظروف قاسية، تكافح من أجل أبسط مقومات الحياة، وأمم وشعوب حولها انتقلت إلى مرحلة مختلفة من الرفاهية والتعليم والتقنية وجودة الخدمات.
    وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا هم أفضل منا؟!

    بل يجب أن يكون السؤال الأكثر أهمية: ماذا فعلوا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وأين أخطأنا نحن، القيادات اليمنية المتعاقبة؟
    إن الفقر ليس قدرًا أبديًا، والجهل ليس هوية لشعب، والتخلف ليس مصيرًا لا يمكن تغييره. الشعوب التي كانت فقيرة استطاعت أن تنهض عندما امتلكت مشروعًا واضحًا، ودولة تخطط، ومؤسسات تعمل، وتعليمًا يبني الإنسان، واقتصادًا ينتج، وقيادة تنظر إلى المستقبل أكثر مما تنشغل بصراعات الماضي والحاضر.

    أما المجتمعات التي تترك أجيالها بلا تعليم جيد، وشبابها بلا فرص، ومدنها بلا خدمات، ومؤسساتها بلا استقرار، فمن الطبيعي أن تتسع فيها دائرة الفقر والجهل واليأس.
    كما هو الواقع.

    ولعل واحدة من أكبر مشكلات اليمن خلال العقود الماضية أننا لم نمتلك بصورة مستمرة مشروعًا وطنيًا طويل المدى، بعقول يمنية، لبناء المجتمع؛ مشروعًا لا يتغير بتغير الحكومات والظروف، ويضع الإنسان اليمني في مركز اهتمام الدولة، بل إنهم يستمدون إملاءات الآخرين.

    فانتشال أمة من مستنقع الجهل لا يتم من الخارج ولا بالشعارات، ولا بالمهرجانات، ولا بالخطابات السياسية، وإنما يبدأ من المدرسة.

    يبدأ من طفل يجد مقعدًا مناسبًا، ومعلمًا محترمًا، ومنهجًا عصريًا، ومدرسة آمنة. ثم ينتقل إلى جامعة تفتح أبواب المعرفة، ومؤسسات تمنح الشباب فرصة للعمل والإنتاج، واقتصاد يوفر لهم حياة كريمة بعيدًا عن الكراهية والحقد، بل دولة تحمي القانون وتساوي بين مواطنيها.

    إن المقارنة مع دول الجوار ليست لإدانة اليمنيين، بل لإيقاظ الوعي القيادي اليمني.

    فحين نرى مدنًا تحولت خلال سنوات قليلة إلى مراكز عالمية في الاقتصاد والتعليم والتقنية، يجب أن نسأل أنفسنا: لماذا لم نستطع أن نفعل الشيء نفسه؟ وحين نرى دولًا كانت ظروفها صعبة ثم استطاعت أن تبني مستقبل أجيالها، فهذا يعني أن النهوض ممكن، وأن الفقر والجهل يمكن مقاومتهما إذا توفرت الإرادة والتخطيط والاستقرار.

    اليمن لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى مشروع دولة في الداخل.
    دولة تعرف ماذا تريد بعد عشرين عامًا، وكيف سيكون تعليمها، واقتصادها، ومدنها، وطرقها، ومستشفياتها، وجامعاتها، وفرص عمل شبابها.

    والأهم من كل ذلك أن ندرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الفقر، وإنما مع الجهل الذي يستمد من الخارج ويعيد إنتاج الفقر جيلًا بعد جيل.

    لقد آن الأوان أن نتوقف عن التعامل مع الفقر والجهل وكأنهما قدر مكتوب على اليمنيين.
    هذه الأمة تستحق أن تخرج من مستنقع الأزمات إلى فضاء العلم والعمل والإنتاج. وتستحق أجيالها أن تعيش حياة أفضل من حياة آبائها، لا أن ترث منهم الفقر والخوف والصراع.

    قد لا نستطيع تغيير اليمن في عام أو عامين، لكننا نستطيع أن نبدأ اليوم في بناء الطريق.
    فالأمم لا تنهض دفعة واحدة، وإنما تنهض عندما تؤمن أن مستقبلها يُصنع بالتخطيط والعلم والعمل، وأن الإنسان هو أعظم ثروة يمكن أن تمتلكها الدولة.

    اليمن لا تنقصه العقول، وإنما ينقصه المشروع الذي يجمع هذه العقول، ويمنحها دولة مستقرة وبيئة منتجة، ويحوّل طاقات شعبه من الوقوف في طوابير الأزمات إلى المشاركة في صناعة المستقبل.

المزيد من مقالات (علي عبدربه غزال)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال