في مقاله الأخير، "حتى لا يرتكب الانتقالي غلطة برزاني"، يقدّم عبد الرحمن الراشد في صحيفة الشرق الأوسط ما يبدو أنه مراجعة هادئة لموقفه من قضية الجنوب اليمني. لكن خلف هذه النغمة "العقلانية"، يختبئ خطابٌ لا يقل وصايةً عن سابقه، بل يتقن التوجيه الناعم باسم "الشرعية" و"الواقعية السياسية".

الراشد، يقارن بين تجربة كردستان العراق وتجربة جنوب اليمن، في تشبيهٍ لا يصمد أمام أول اختبار تاريخي. فبينما كان إقليم كردستان جزءًا من دولة مركزية ذات سيادة، كان جنوب اليمن دولة مستقلة كاملة العضوية في الأمم المتحدة باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن، حتى عام 1990. الفارق ليس في التفاصيل، بل في الجوهر؛ فالجنوب لا يطالب بالانفصال، بل باستعادة دولته التي ذابت قسرًا في وحدة اندماجية لم تُبْنَ على عقد سياسي متكافئ، بل على لحظة اضطراب إقليمي وانهيار داخلي.

يختزل الراشد "السر" في كلمة واحدة: (الشرعية). لكنه يقدّم تعريفًا انتقائيًا لها، كأنها ختمٌ أممي لا يُمنح إلا لمن يحسن الاصطفاف مع القوى الكبرى. يتجاهل أن الشرعية، في أصلها، ليست قرارًا من مجلس الأمن، بل تعبير عن إرادة شعبية متماسكة، وواقع سياسي لا يمكن تجاهله.

جنوب السودان لم ينل اعترافًا لأنه فقط "مظلوم"، بل لأن القوى الكبرى وجدت في انفصاله مخرجًا من ورطة البشير. و"أرض الصومال" لم تُرفض لأنها تفتقر للمؤسسات، بل لأنها لا تخدم مصالح اللاعبين الكبار. أما جنوب اليمن، فمشكلته ليست في نقص "الشرعية"، بل في فائض الذاكرة، والدم، والتاريخ.

يحذر الراشد من "تغوّل الانتقالي" على بقية أقاليم الجنوب، وكأن المجلس الانتقالي هو أصل الأزمة، لا عرضٌ من أعراضها. يتجاهل أن هذا التغوّل لم يكن ليحدث لولا فراغ سياسي مقصود، وتفكيك ممنهج لبنية الجنوب، وتمويل خارجي لمشاريع موازية تُبقي الجنوب في حالة "نصف دولة".

يقترح الراشد، "خريطة طريق عقلانية" تبدأ بموافقة الجنوبيين، ثم الشماليين، ثم المجلس الرئاسي، فالبرلمان، فالدول المجاورة، فالدول الكبرى. أي أن الجنوب، كي يستعيد دولته، عليه أن يمر عبر سلسلة طويلة من "الفيتوهات"، تبدأ من صنعاء ولا تنتهي في نيويورك.

لكن هذه ليست خريطة طريق، بل خارطة هيمنة، الجنوب، وفق هذا المنطق، لا يملك قراره، بل هو رهينة لموافقة الآخرين. وكأننا أمام استفتاء مشروط بموافقة الخصم، لا تعبيرًا عن إرادة شعب.

نعم، الجنوب قد يخطئ، وقد يتعثر، لكنه لا ينتظر شهادة حسن سلوك من أحد. لا من الراشد، ولا من غيره. فالتاريخ لا يُكتب بالحبر الأزرق، بل بالدم، والوعي، والإرادة.

الشرعية التي يتحدث عنها الراشد، عوراء. ترى ما تريده العواصم، وتغضّ الطرف عن ما يريده الناس. أما الشرعية التي نؤمن بها، فهي تلك التي تُولد من رحم المعاناة، وتُكتب بمداد الكرامة، وتُصاغ في ميادين الصبر والمقاومة.