منذ عقود، لم تكن العلاقة بين الجنوب العربي والمملكة العربية السعودية علاقة ثقة كاملة، بل ظلت محكومة بتوجسات متبادلة، وقراءات متباينة للمصالح والمخاوف. الجنوبيون ما يزال الكثير منهم إن لم نقل أغلبيتهم، يرون أن بلادهم دفعت ثمنًا باهظًا بسبب مواقف السعودية، بدءًا من تحفظها على مشروع الدولة الجنوبية بعد الاستقلال، مرورًا بمحاولات فصل حضرموت والمهرة عن الجمهورية الوليدة، وصولًا إلى موقفها من تجربة الحزب الاشتراكي الذي اعتبرته الرياض تهديدًا أيديولوجيًا وأمنيًا. ويستحضر كثير من الجنوبيين ما قيل عن تدخل السعودية لعرقلة مشاريع التنقيب عن النفط والغاز في الجنوب، خشية أن يتحول إلى دولة نفطية مستقلة ذات نفوذ إقليمي. ثم جاءت حرب 1994م لتعمق الجرح، حيث لم تتخذ المملكة موقفًا حازمًا من اجتياح الجنوب، بل تعاملت مع المنتصر كأمر واقع، ما عزز شعور الجنوبيين بأنهم تُركوا وحدهم في لحظة مصيرية.

بعد 2015م، بدا أن صفحة جديدة قد تُفتح، لكن سرعان ما شعر الجنوبيون أن الدعم العسكري لم يُترجم إلى دعم سياسي لتطلعاتهم الانفصالية، بل إن السعودية – في نظرهم – سعت إلى تحجيم الصوت الجنوبي، وفرضت وصايتها على قراره، أحيانًا عبر دعم أطراف لا تؤمن بقضيته. هذا التراكم من المواقف جعل كثيرًا من الجنوبيين يعتقدون أن السعودية لم تكن يومًا حليفًا لقضيتهم، بل جزءًا من معادلة إضعافهم.

لكن من منظور سعودي، ثمة حسابات لا يمكن تجاهلها. فالسعودية تنظر إلى اليمن كوحدة جغرافية متماسكة، وأي تفكك قد يفتح الباب لصراعات لا تنتهي، أو لنفوذ إيراني متجدد. كما أن تجربة الحزب الاشتراكي في الجنوب، بعلاقاته بالمعسكر الشرقي، كانت مقلقة لدولة تقوم حينها على شرعية دينية ونظام ملكي. ثم إن الجنوب نفسه ليس كتلة واحدة، بل فسيفساء من القوى والمصالح، يصعب التعامل معها كجسم سياسي موحد. وفي ظل هذا التعقيد، اختارت السعودية أن تتعامل مع اليمن ككل، لا مع أجزائه، وهو خيار قد يكون مفهومًا من زاوية الأمن القومي، لكنه ترك جراحًا عميقة في الذاكرة الجنوبية.

اليوم، إذا أرادت السعودية أن تبني علاقة جديدة مع الجنوب، فعليها أن تبدأ من الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم ضمن إطار تفاوضي سلمي، يدعم الانفصال، وبالتالي احترام التطلعات. كما أن تحويل الدعم من البندقية إلى البنية التحتية، ومن المعسكر إلى المدرسة والمستشفى، سيكون رسالة قوية على تغيير النهج. المطلوب أيضًا فتح قنوات حوار مباشر مع القوى الجنوبية، دون وسطاء، وبناء شراكة ندية لا علاقة تبعية. أما حضرموت والمهرة، فهما ليستا مجرد أوراق جغرافية، بل هما بوابة مشرعة للسعودية على بحر العرب، وفضاءان اجتماعيان وسياسيان يحتاجان إلى مقاربة خاصة، تنموية لا أمنية، تشاركية لا فوقية.

الثقة لا تُمنح ببيانات ولا تُشترى بالمنح، بل تُبنى على تراكم الأفعال، وعلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإرادة تصحيح المسار. والجنوب بهويته العربية، وتاريخه النضالي، رغم كل ما مرّ به، لا يزال يبحث عن شريك لا عن وصي، وعن جارٍ يحترم ذاكرته، لا من يكتب له فصولها القادمة.