ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعى إلى شعبنا في الجنوب، وإلى أبناء اليمن كافة، رحيل الرئيس السابق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، المناضل علي سالم البيض، أحد أبرز رجالات التاريخ السياسي الجنوبي، وأحد الشهود الكبار على أهم التحولات المصيرية التي مر بها وطننا في العصر الحديث.
برحيله، لا نفقد شخصية سياسية فحسب، بل نودّع مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب، بكل ما فيها من نضال وألم، ومن آمال كبرى وانكسارات قاسية. نودّع رجلًا كان حاضرًا في لحظات القرار الكبرى، وتحمل تبعات مواقفه، ودفع ثمنها من عمره واستقراره، وبقي ثابتًا على قناعته حتى آخر أيامه.
بدأ حياته مقاتلا في صفوف الجبهة القومية ضد الاستعمار البريطاني ولم يقرأ الثورة في الكتب بل عاشها في جبال ردفان وشوارع عدن إلى أن أصبح الرجل الأول في الجنوب فلم يغره الكرسي بل كان مسكوناً بهاجس الوحدة العربية وهو الهاجس الذي دفعه لاتخاذ القرار الشجاع والقاسي تاريخياً بدمج دولتين في كيان واحد في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م.
غادر البيض وطنه مكرهاً وعاش في منفاه صامداً حتى عاد ليجهر بصوته مجدداً مع انطلاق الحراك الجنوبي في 2007م مطالباً بحق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره. رحل بجسد غريب عن تراب الوطن واليوم في السابع عشر من يناير 2026 يسدل الستار عن حياة هذا القائد المثير للجدل حيث وافته المنية بعيدا عن تراب وطنه الذي ضحى من أجله ليبقى في ذاكرة التاريخ كالقائد الذي صدق حين كذب الآخرون والذي منح الثقة لمن لا يعرف معنى الوفاء بالعهود.
شارك البيض في العمل التنظيمي والسياسي للجبهة، وأسهم مع رفاقه في بناء البنية القيادية التي قادت الكفاح المسلح، حتى تحقق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967، وهو اليوم الذي مثّل تتويجًا لنضال طويل، وبداية مرحلة جديدة لا تقل صعوبة عن مرحلة التحرر.
تدرّج الفقيد في مواقع قيادية داخل الدولة والحزب، وصولًا إلى مواقع عليا في الحزب الاشتراكي اليمني، وشارك في صياغة القرار السياسي خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجنوب، وهي فترة شهدت إنجازات في بناء مؤسسات الدولة، كما شهدت في الوقت ذاته صراعات مؤلمة تركت جراحًا عميقة.
كانت تلك المرحلة محكومة بظروف إقليمية ودولية معقدة، وبانهيار المنظومة الاشتراكية عالميًا، وهو ما فرض على قيادة الجنوب البحث عن خيارات استراتيجية جديدة، في مقدمتها خيار الوحدة اليمنية.
وقد خاض البيض تلك التجربة وهو يؤمن بأن الوحدة يمكن أن تكون مدخلًا لدولة عادلة، تقوم على الشراكة والتوازن، وتحترم خصوصيات الجنوب وتضحياته.
وفي عام 1993، انسحب علي سالم البيض من صنعاء إلى عدن، في خطوة عبّرت عن عمق الأزمة السياسية، وعن شعور متزايد بأن مشروع الوحدة يسير في اتجاه لا يحقق التوازن المنشود.
ومنذ ذلك التاريخ، حمل البيض القضية الجنوبية على كتفيه، لا بوصفها شعارًا عابرًا، بل بوصفها قضية شعب شعر بالهزيمة والإقصاء. ورغم المنفى الطويل، ظل صوته حاضرًا في الوعي الجنوبي، ورمزًا سياسيًا لمرحلة ما بعد 1994.
لم يساوم على موقفه، ولم يبحث عن تسويات شخصية، وبقي متمسكًا بما كان يراه حقًا سياسيًا وتاريخيًا للجنوب، حتى وإن اختلف معه البعض في الوسائل أو التقدير.
جمعني به لقاء تاريخي يبقى في الذاكرة، حيث جرى بيني وبينه حوار في مرحلة هامة من مراحل تطور الدولة في الجنوب كانت اسئلته متواضعة في الشكل عميقه في المضمون. هذا الحوار امتد لحوالي ساعة، شعرت فيه بروح القائد الذي لا يمكن أن يساوم في القضايا الوطنية ولا يمكن ان يرضى بغير الفوقية هكذا قالها بالعامية في نهاية مقابلتنا "لن نرضى بالدونية يا بو سالمين".
لقد اختار الرئيس علي سالم البيض أن يعيش آخر سنوات على أرض زايد الطاهرة ووافته المنية على هذه الأرض واحتضن بترابها جثمانه الطاهر وهذا تشريف كبير لعيال زايد. رحل أبا فيصل عنا لكن روحه وقيمه النضالية لم ترحل، فإذا كان أبا فيصل يحمل قضية الجنوب على أكتافه كل هذه السنوات فاليوم يعلن شعب الجنوب تحمله هذه المسؤولية وفاءً لهذا القائد العظيم.
إننا اليوم، ونحن نودّعه، مدعوون لأن نقرأ تجربته بعين الحكمة لا الخصومة، وبروح المسؤولية لا الثأر السياسي، وأن نحفظ للرجال أقدارهم، وللتاريخ صدقه.
رحم الله علي سالم البيض، وغفر له، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله ومحبيه وأبناء الجنوب جميعًا الصبر والسلوان
برحيله، لا نفقد شخصية سياسية فحسب، بل نودّع مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب، بكل ما فيها من نضال وألم، ومن آمال كبرى وانكسارات قاسية. نودّع رجلًا كان حاضرًا في لحظات القرار الكبرى، وتحمل تبعات مواقفه، ودفع ثمنها من عمره واستقراره، وبقي ثابتًا على قناعته حتى آخر أيامه.
- الثائر الذي أهداهم وطناً فأهدوه المنفى
بدأ حياته مقاتلا في صفوف الجبهة القومية ضد الاستعمار البريطاني ولم يقرأ الثورة في الكتب بل عاشها في جبال ردفان وشوارع عدن إلى أن أصبح الرجل الأول في الجنوب فلم يغره الكرسي بل كان مسكوناً بهاجس الوحدة العربية وهو الهاجس الذي دفعه لاتخاذ القرار الشجاع والقاسي تاريخياً بدمج دولتين في كيان واحد في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م.
غادر البيض وطنه مكرهاً وعاش في منفاه صامداً حتى عاد ليجهر بصوته مجدداً مع انطلاق الحراك الجنوبي في 2007م مطالباً بحق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره. رحل بجسد غريب عن تراب الوطن واليوم في السابع عشر من يناير 2026 يسدل الستار عن حياة هذا القائد المثير للجدل حيث وافته المنية بعيدا عن تراب وطنه الذي ضحى من أجله ليبقى في ذاكرة التاريخ كالقائد الذي صدق حين كذب الآخرون والذي منح الثقة لمن لا يعرف معنى الوفاء بالعهود.
- البدايات الأولى.. الوعي الوطني وسنوات التشكّل
- الجبهة القومية.. أيام النار والقرار
شارك البيض في العمل التنظيمي والسياسي للجبهة، وأسهم مع رفاقه في بناء البنية القيادية التي قادت الكفاح المسلح، حتى تحقق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967، وهو اليوم الذي مثّل تتويجًا لنضال طويل، وبداية مرحلة جديدة لا تقل صعوبة عن مرحلة التحرر.
- بعد الاستقلال.. بناء الدولة وتحديات الحكم
تدرّج الفقيد في مواقع قيادية داخل الدولة والحزب، وصولًا إلى مواقع عليا في الحزب الاشتراكي اليمني، وشارك في صياغة القرار السياسي خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجنوب، وهي فترة شهدت إنجازات في بناء مؤسسات الدولة، كما شهدت في الوقت ذاته صراعات مؤلمة تركت جراحًا عميقة.
- ما بعد أحداث يناير 1986.. القيادة في زمن الانقسام
كانت تلك المرحلة محكومة بظروف إقليمية ودولية معقدة، وبانهيار المنظومة الاشتراكية عالميًا، وهو ما فرض على قيادة الجنوب البحث عن خيارات استراتيجية جديدة، في مقدمتها خيار الوحدة اليمنية.
- الوحدة اليمنية.. حلم الدولة الواحدة
وقد خاض البيض تلك التجربة وهو يؤمن بأن الوحدة يمكن أن تكون مدخلًا لدولة عادلة، تقوم على الشراكة والتوازن، وتحترم خصوصيات الجنوب وتضحياته.
- ما بعد الوحدة.. من الشراكة إلى الأزمة
وفي عام 1993، انسحب علي سالم البيض من صنعاء إلى عدن، في خطوة عبّرت عن عمق الأزمة السياسية، وعن شعور متزايد بأن مشروع الوحدة يسير في اتجاه لا يحقق التوازن المنشود.
- 1994 حمل القضية الجنوبية
ومنذ ذلك التاريخ، حمل البيض القضية الجنوبية على كتفيه، لا بوصفها شعارًا عابرًا، بل بوصفها قضية شعب شعر بالهزيمة والإقصاء. ورغم المنفى الطويل، ظل صوته حاضرًا في الوعي الجنوبي، ورمزًا سياسيًا لمرحلة ما بعد 1994.
- سنوات المنفى والثبات على الموقف
لم يساوم على موقفه، ولم يبحث عن تسويات شخصية، وبقي متمسكًا بما كان يراه حقًا سياسيًا وتاريخيًا للجنوب، حتى وإن اختلف معه البعض في الوسائل أو التقدير.
- كلمة إنصاف وشهادة للتاريخ
- مواقف جمعتني بالفقيد الراحل
جمعني به لقاء تاريخي يبقى في الذاكرة، حيث جرى بيني وبينه حوار في مرحلة هامة من مراحل تطور الدولة في الجنوب كانت اسئلته متواضعة في الشكل عميقه في المضمون. هذا الحوار امتد لحوالي ساعة، شعرت فيه بروح القائد الذي لا يمكن أن يساوم في القضايا الوطنية ولا يمكن ان يرضى بغير الفوقية هكذا قالها بالعامية في نهاية مقابلتنا "لن نرضى بالدونية يا بو سالمين".
لقد اختار الرئيس علي سالم البيض أن يعيش آخر سنوات على أرض زايد الطاهرة ووافته المنية على هذه الأرض واحتضن بترابها جثمانه الطاهر وهذا تشريف كبير لعيال زايد. رحل أبا فيصل عنا لكن روحه وقيمه النضالية لم ترحل، فإذا كان أبا فيصل يحمل قضية الجنوب على أكتافه كل هذه السنوات فاليوم يعلن شعب الجنوب تحمله هذه المسؤولية وفاءً لهذا القائد العظيم.
- خاتمة رثائية
إننا اليوم، ونحن نودّعه، مدعوون لأن نقرأ تجربته بعين الحكمة لا الخصومة، وبروح المسؤولية لا الثأر السياسي، وأن نحفظ للرجال أقدارهم، وللتاريخ صدقه.
رحم الله علي سالم البيض، وغفر له، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله ومحبيه وأبناء الجنوب جميعًا الصبر والسلوان















