الحوار الذي أُعلن عنه تحت مظلة السعودية لم يكن لقاءً لتثبيت الحق بل كان مسرحًا لاختبار الولاءات، وما أسرع ما انكشفت الوجوه التي طالما ادّعت الصلابة فإذا بها تذوب أمام بريق العطايا، كأن القضية الجنوبية مجرد فاتورة تُسدّد في الرياض، لا دماء ولا تاريخ ولا كرامة. هيبة الحوار ضاعت، وحلّ المجلس الانتقالي لم يكن سوى إعلان مبكر أن بعض القيادات مستعدة لبيع الموقف في سوق السياسة، يرفعون الشعارات في الداخل ثم يبدّلونها في الخارج، يبررون تنازلاتهم بعبارات فضفاضة لا تصمد أمام أول هبة ريح.
والمضحك المبكي أن هؤلاء المتحوّلين يظنون أن المال قادر على شراء ذاكرة الناس، كأن الجنوب بلا ذاكرة، بلا شهداء، بلا شارع يغلي. شر البلية ما يضحك، حين ترى من كان بالأمس يرفع شعار الاستقلال اليوم يرفع كأس الضيافة في الرياض ويقسم أن المطالب ما تزال حاضرة، بينما حقيقتها غابت في أول حقيبة سفر. بعضهم صار أشبه بممثل كوميدي يبدّل الأقنعة كل ساعة، مرة بوجه الثائر، ومرة بوجه المطيع، ومرة بوجه الخبير الاستراتيجي الذي لا يعرف من الاستراتيجية إلا فن التبرير.
إنهم يشبهون تجار المواسم الذين يبيعون الشعارات كما تُباع البهارات في السوق، يرفعون الصوت في الداخل ثم يخفضونه في الخارج، يلوّحون بالعلم في الساحات ثم يلوّحون بالفواتير في الفنادق. كأن القضية الجنوبية مجرد إعلان دعائي يُطبع على ورق فاخر ويوزّع في قاعات الرياض، بينما في الداخل الناس يواجهون الفقر والحرمان والخذلان.
















