منذ الحادي عشر من شهر رمضان الجاري، تتسارع أحداث الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع استمرار الضربات والردود العسكرية اتسعت دائرة التوتر في المنطقة، ووصلت آثار هذه المواجهات إلى عدد من العواصم في العالمين العربي والإسلامي.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة يقف اليمن عموماً، والجنوب على وجه الخصوص، في موقع المتابع لما يجري من حوله رافعاً عبارة: «ماشي حولي منكم»، واضعاً يده على خده منتظراً النهاية، إلا إذا دخل الحوثي بالخط.
الشمال والجنوب بشكل عام أنهكتهما سنوات طويلة من الحروب والصراعات، ولا يملكان اليوم سوى التطلع إلى أن تتوقف هذه المواجهات، وأن يجنب الله منطقتنا مزيداً من الدمار والمعاناة التي قد يصل تأثيرها اقتصادياً إلى كل مكان.
بل قد يؤدي ذلك إلى اختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل التي ستتحول إلى صميل لأمريكا تُخوف به العرب، وهو أمر لا يخدم استقرار المنطقة على المدى الطويل.
لذلك يبقى وجود نوع من التوازن الإقليمي عاملاً مهماً للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ومع استمرار المواجهات العسكرية من المتوقع ألا يقتصر تأثيرها على ساحات القتال وحدها، فالتداعيات السياسية والاقتصادية قد تمتد إلى معظم دول المنطقة وربما إلى العالم بأسره. واليمن جزء من هذه المعادلة بحكم موقعه الجغرافي المهم المطل على باب المندب والبحر الأحمر والبحر العربي، وهي ممرات بحرية حيوية للتجارة الدولية. ولهذا فإن أي تصعيد في المنطقة قد ينعكس على أوضاع بلادنا التي تعاني أصلاً من أزمات معيشية واقتصادية صعبة.
لقد دفع الشعب، شمالاً وجنوباً، ثمناً باهظاً للحروب خلال السنوات الماضية، ولذلك فإن الأمل الأكبر اليوم هو ألا تؤدي هذه التطورات الإقليمية إلى زيادة معاناة الناس أو إدخال البلاد في صراعات جديدة.
ومن ناحية أخرى قد تدفع هذه الأحداث بعض الدول العربية والخليجية إلى إعادة ترتيب مواقفها وتعزيز التعاون فيما بينها لمواجهة التحديات المشتركة. وربما تشهد المرحلة القادمة تخفيفاً لبعض الخلافات التي برزت في الفترة الماضية في الخليج أو في العالم العربي، خاصة في ظل الأزمات القائمة في أكثر من بلد.
وفي هذا السياق تبرز مسؤولية القيادات والنخب السياسية في الجنوب، فالمطلوب اليوم هو تعزيز وحدة الصف الجنوبي وطي صفحة الخلافات والاستعداد للتحديات القادمة بروح أكثر واقعية وهدوءاً. كما أن من المهم الحفاظ على علاقات إيجابية مع الأشقاء في دول الخليج والسعودية بشكل متوازن والابتعاد عن الخطابات المتشنجة أو الانحياز الحاد الذي أوصل الجنوب لما هو فيه.
القضية الجنوبية هي قضية شعب ووطن وتطلعات سياسية تراكمت عبر سنوات طويلة من النضال والتضحيات. وقد قدم أبناء الجنوب الكثير منذ انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007، ولذلك فإن الحفاظ على ما تحقق يتطلب مراجعة صادقة للتجربة وتقييماً هادئاً للأخطاء والعمل على بناء موقف سياسي أكثر تماسكاً في المرحلة القادمة.
كما أن من المهم توجيه رسالة إيجابية للأشقاء في الخليج والعالم العربي مفادها أن استقرار اليمن والجنوب ليس قضية محلية فقط، بل هو جزء من أمن المنطقة بأكملها. فكلما تحقق الاستقرار في الجنوب واليمن انعكس ذلك إيجاباً على أمن البحر الأحمر والممرات البحرية وعلى استقرار المنطقة عموماً.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دعم جهود الاستقرار والتنمية ومساندة أبناء الجنوب في تجاوز آثار الحرب وتهيئة الظروف التي تساعدهم على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
وفي الداخل تبقى التنمية وتحسين الخدمات من أهم الأولويات، خاصة في مدينة عدن التي تمثل العاصمة الإدارية ومركز النشاط السياسي والاقتصادي في الجنوب. ويأمل كثيرون أن تشهد المرحلة القادمة جهوداً أكبر لتعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية بما يساعد على تجاوز آثار الأزمات التي مرت بها البلاد خلال الفترة الماضية.
إن ما يجري في المنطقة اليوم يحمل كثيراً من التحديات، لكنه يذكر أيضاً بأهمية الحكمة وتغليب المصلحة العامة. فالمنطقة تحتاج إلى التهدئة أكثر من حاجتها إلى مزيد من الصراعات، والشمال والجنوب بحاجة إلى الاستقرار والتنمية بعد سنوات طويلة من المعاناة.
ويبقى الأمل أن تتمكن شعوب المنطقة من تجاوز هذه المرحلة الصعبة، وأن تجد بلادنا طريقها نحو السلام والاستقرار بعيداً عن دوائر الحروب التي أنهكت بلادنا.



















