الكتابة السياسية ليست ترفًا ذهنيًا ولا هواية عابرة، بل هي فعلٌ مقصود تحكمه دوافع ومصالح، وتؤطره أحيانًا إكراهات الواقع. الكاتب الذي يكتب بلا أجر ولا دعم مؤسسي يظل، بنيويًّا، في موقع الهامش؛ يكتب وفق "فائض وقته" وظروفه الشخصية، لا وفق التزام مهني مؤسسي مستمر. لذا، يصبح من الغبن الأخلاقي، والقصور التحليلي، مطالبة هذا الكاتب بتغيير وجهته أو الانحياز لمعسكر جديد بـ "المجّان"، بينما تتدفق العطاءات السخية على "الكتبة الوظيفيين" من جهات داخلية أو عابرة للحدود.
"ولكلٍ وجهة هو موليها"؛ فالاستقلالية هنا لا تعني الوقوف في "خلاء سياسي" أو ممارسة الحياد البارد. لا حياد في السياسة؛ إذ لا يمكن للقلم أن يظل معلقًا في الفراغ، بل لا بد له من الانتماء لأسلوب، واتباع أيديولوجية أو منهج أخلاقي يحدد زاوية الرؤية.
القلم الحر يختار وجهته بوعي، حتى وإن كانت الدفاع عن قيم عامة، فهو لا يكتب من خارج التاريخ ولا بمعزل عن الصراع المعرفي والمادي.
من السذاجة أن يُطالَب الكاتب المستقل بتبديل موقفه دون أن يمتلك الضمانات التي يمتلكها غيره. والأشد بلاهة هو السقوط في فخ "التطوع الرمزي" لمدح جهات أو دول بلا مقابل، وكأن الوقوف مع الأقوياء مجانًا هو فضيلة نضالية، بينما هو في الحقيقة "عطالة فكرية" تفرغ الكتابة من فاعليتها وتحولها إلى انتحار رمزي. إن النقد الناضج والمؤدب يظل هو المساحة المتاحة للاستقلال، أما "التطبيل بلا ثمن" أو "التهجم بلا وعي" فكلاهما انحدار يفقد الكاتب رأسماله الوحيد: صدقيته.
أما مسألة التحول الفكري، من اليمين إلى اليسار أو العكس، فهي ليست عيباً ولا تهمة في حد ذاتها. التغيير وليد تبدل القناعات واكتشاف زوايا جديدة للواقع، ولا يُلام المرء على نموه المعرفي. لكن ما يجب أن يُحاكم ويُناقش هو "الجهاز المفاهيمي" لهذا التحول؛ هل هو انتقال بين رؤى متماسكة وحجج واضحة؟ أم هو مجرد تبدل في المواقع الوظيفية؟ الكاتب الذي يغير وجهته يظل مسؤولًا عن "اتساق منطقـه"، فالاستدارة السياسية التي لا تملك تبريرًا معرفيًّا عميقًا تظل مجرد "خيانة للمنطق" لا "تحولًا في الموقف". فالثبات على الخطأ ليس فضيلة، والارتحال نحو الصواب ليس خيانة، شريطة وضوح الحجة.
القلم الحر إذن ليس حياديًّا ولا مأجورًا، بل هو "شاهد" يكتب ليضيء المفارقات ويكشف التناقضات الكامنة في الخطاب السائد. استقلاليته هي كلفة يدفعها من راحته وفرصه، لكنها تمنحه سلطة أخلاقية لا يملكها من يكتب بـ"القطعة". ومن السذاجة اختزال دوره في مطبل متطوع أو معارض عدمي؛ إنما هو صوت عاقل يذكّر بأن السياسة ليست لعبة مجانية، وأن للاستقلال ثمنًا باهظًا، وللتبعية ثمنًا أبهظ، وفي النهاية.. "لكلٍ وجهة هو موليها".
"ولكلٍ وجهة هو موليها"؛ فالاستقلالية هنا لا تعني الوقوف في "خلاء سياسي" أو ممارسة الحياد البارد. لا حياد في السياسة؛ إذ لا يمكن للقلم أن يظل معلقًا في الفراغ، بل لا بد له من الانتماء لأسلوب، واتباع أيديولوجية أو منهج أخلاقي يحدد زاوية الرؤية.
القلم الحر يختار وجهته بوعي، حتى وإن كانت الدفاع عن قيم عامة، فهو لا يكتب من خارج التاريخ ولا بمعزل عن الصراع المعرفي والمادي.
من السذاجة أن يُطالَب الكاتب المستقل بتبديل موقفه دون أن يمتلك الضمانات التي يمتلكها غيره. والأشد بلاهة هو السقوط في فخ "التطوع الرمزي" لمدح جهات أو دول بلا مقابل، وكأن الوقوف مع الأقوياء مجانًا هو فضيلة نضالية، بينما هو في الحقيقة "عطالة فكرية" تفرغ الكتابة من فاعليتها وتحولها إلى انتحار رمزي. إن النقد الناضج والمؤدب يظل هو المساحة المتاحة للاستقلال، أما "التطبيل بلا ثمن" أو "التهجم بلا وعي" فكلاهما انحدار يفقد الكاتب رأسماله الوحيد: صدقيته.
أما مسألة التحول الفكري، من اليمين إلى اليسار أو العكس، فهي ليست عيباً ولا تهمة في حد ذاتها. التغيير وليد تبدل القناعات واكتشاف زوايا جديدة للواقع، ولا يُلام المرء على نموه المعرفي. لكن ما يجب أن يُحاكم ويُناقش هو "الجهاز المفاهيمي" لهذا التحول؛ هل هو انتقال بين رؤى متماسكة وحجج واضحة؟ أم هو مجرد تبدل في المواقع الوظيفية؟ الكاتب الذي يغير وجهته يظل مسؤولًا عن "اتساق منطقـه"، فالاستدارة السياسية التي لا تملك تبريرًا معرفيًّا عميقًا تظل مجرد "خيانة للمنطق" لا "تحولًا في الموقف". فالثبات على الخطأ ليس فضيلة، والارتحال نحو الصواب ليس خيانة، شريطة وضوح الحجة.
القلم الحر إذن ليس حياديًّا ولا مأجورًا، بل هو "شاهد" يكتب ليضيء المفارقات ويكشف التناقضات الكامنة في الخطاب السائد. استقلاليته هي كلفة يدفعها من راحته وفرصه، لكنها تمنحه سلطة أخلاقية لا يملكها من يكتب بـ"القطعة". ومن السذاجة اختزال دوره في مطبل متطوع أو معارض عدمي؛ إنما هو صوت عاقل يذكّر بأن السياسة ليست لعبة مجانية، وأن للاستقلال ثمنًا باهظًا، وللتبعية ثمنًا أبهظ، وفي النهاية.. "لكلٍ وجهة هو موليها".















