آه ثم آه يا لهذا الوجع الذي يتمدد في ثنايا الروح، حين يغدو الوطن جرحًا لا يندمل، وحين يرتع في أزقته السماسرة كأنهم قضاة الفضيلة.

لا يُعرض الوطن في الأسواق، ولا يُعلّق خلف واجهات المحالّ البرّاقة، لكنه يُباع حين يتحول، في مخيلة البعض، من كيان وجودي إلى مجرد صفقة عابرة ومربحة.

إن فعل "البيع" هنا لا يتطلب بالضرورة عقودًا رسمية موثقة لدى كاتب العدل أو المحكمة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى ضمير معطّل، ولسانٍ أدمنَ صياغة شعارات "السيادة" بينما اليد، في الغرف المغلقة، توقّع ببرودٍ صكوك التفريط. إنها عملية معقدة من التحلل الأخلاقي، تبدأ بالاستهانة بالمال العامّ، والرأي العام، وتنتهي بعرض البلاد في مزاد علني، حيث الثمن لا يُدفع دائمًا نقدًا، بل يُدفع أحيانًا على شكل نفوذ زائف أو حماية خارجية هشّة، في مسار انحداري يجعل من "الخيانة" مجرد وجهة نظر اقتصادية أو سياسية تبررها الضرورات المزعومة.

تتعدد صور هذا البيع وتتشابك خيوطها، فثمة "بيع مباشر" عبر نهب الموارد وتحويل الثروات العامة إلى أرصدة خاصة في مصارف الغربة، ليتحول الوطن في نظر هؤلاء إلى مجرد "خزينة" مستباحة، لا حرمة لها ولا غد أو مستقبل. وهناك "بيع بالصمت" أو التطنيش؛ لسان حاله لا أرى لا أسمع لا أتكلم، وهو أخطرها؛ حين يغلق المسؤول أبوابه وهواتفه في وجه الأزمات، تاركاً الناس يواجهون مصيرهم العاري أمام التضخم والفقر والجوع والخوف، ففي ذلك الصمت المريب تُباع كرامة الإنسان، وهي جوهر الوطن. أما "البيع بالشعارات"، فهو الصناعة الأكثر رواجًا اليوم؛ حيث تُستحلب العواطف الجياشة تجاه "المشاريع المصيرية" و"الرايات الجامعة"، فتُرفع هذه العناوين الكبرى كـ"شمّاعات" لتبرير الفشل، أو كدروعٍ تحمي المصالح الضيقة لكيانات لا ترى في الأرض إلا وسيلة للوصول، وفي الجماهير ودماء الشهداء وتضحيات الجرحى، إلا وقوداً للمساومات الإقليمية، ليصبح الولاء للقضية مجرد قناعٍ يخفي وراءه شهوة التسلط والارتزاق.

تكمن المفارقة الموجعة في أن أكثر الأصوات ضجيجًا بالحديث عن "استعادة الحقوق" أو "صون الروابط" هي غالبًا الأصوات نفسها التي تساوم عليها في الخفاء، ففي بورصة السياسة الفاسدة، تتحول التضحيات الشعبية إلى ورقة تفاوض يحركها المقامرون فوق طاولات النفوذ.

ومع ذلك، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا ومواجهةً مع الذات: هل نحن شركاء في هذا التآكل حين نصمت أو حين نمنح شرعيتنا لمن يقتات على جراحنا؟ إن الصمت الشعبي، أو القبول بالأمر الواقع تحت وطأة اليأس، ليس مجرد موقف سلبي، بل هو البيئة المثالية التي ينمو فيها هؤلاء؛ فالوطن لا يُباع في الحقيقة، لأن الأوطان أكبر من أن تُختصر في صك ملكية، ولكن الذي يُباع فعليًا هو ضمير الفرد وكرامة من خان، وكرامة من صمت أيضًا.

إن المهمة تقتضي اليوم فضح هذا الزيف، كي يدرك الجميع أن من يبيع نفسه باسم القضية، لا يملك من صدقها إلا القشرة التي يتدثّر بها زورًا وبهتانًا.