لا تقولوا عن عدن إنها"منكوبة" أو"متعبة". سمّوا الأشياء بأسمائها: عدن مدينة مُغتالة. وكل سكين طُعنت به كان يحمل بصمة واحد من ساستها.
وأدلة الجريمة لا تحتاج مختبرًا جنائيًّا، يكفي أن تعيش فيها يومًا واحدًا.
أصبحت عدن جثة هامدة قتلها حكامها منذ سنين بدم بارد. ذبحوها بسكين الإهمال، وشنقوها بحبل الفساد، ودفنوها تحت ركام الوعود الكاذبة.
يا سادة اصعدوا قلعة صيرة وستروا المشهد كاملًا: مدينة شامخة بالحجر، ساقطة بالبشر.
عدن لم ينهكها الزمن، بل أرهقها من تعاقب على نهبها.
انظروا إلى صهاريج الطويلة، معجزة أجداد نحتوها في الصخر ليخلقوا ماء، ثم اسألوا عن بعض أحياء في كريتر والشيخ عثمان والمنصورة والمعلا والتواهي والقلوعة وخور مكسر لا ترى الماء في الحنفيات إلا كضيف ثقيل يأتي كل أسبوع مرة أو بعضهم أشهر.
عدن لم تشخ، بل شوهتها طفح المجاري الذي صارت جزءًا من شوارعها وأكوام القمامة، والموظف صار رقمًا بلا راتب.
القاصي والداني يعرف كيف كانت عدن قبل الاستقلال وكيف أصبحت.
تبدو عدن كامرأة جميلة أرهقتها السنين وسوء التدبير، عدن أعطت الجميع: موقعها، بحرها، تاريخها، وأهلها الطيبين. لكن من حكموها تعاقبوا على ظلمها، فأخذوا منها ولم يعطوها أي شيء سوى أنهم باعوا لأهلها الطيبين الوهم.
عدن يا سادة لا تنقصها الموارد. ينقصها (الشرف) في من يحكمها. لا ينقصها البحر، بل ينقصها من لا يبيع بحرها. لا ينقصها التاريخ، بل ينقصها من لا يخجل من تاريخه أمامها. كل شارع فيها يشهد، وكل حجر فيها يلعن، وكل مواطن فيها صار خبيرًا في تعداد خيباته بعدد الساسة الذين مروا عليها.
أن تكتب عن عدن اليوم هو أن توثق جريمة مكتملة الأركان، الضحية فيها معروفة، والجناة معروفون، والأدلة تملأ الشوارع المكسرة والمحطات المظلمة والمستشفيات الخاوية. جريمة كان المفترض أن يكون حكامها حماتها، فصاروا هم من يطلقون الرصاصة الأخيرة على رأسها كل يوم.
بين صخرة صيرة وذاكرة البحر، لم تعد عدن تئن. عدن تصرخ في وجه كل من جلس على كرسي وادعى أنه يمثلها، بينما كان في الحقيقة يمثل عليها. والسؤال لم يعد"متى تنصفها"؟ السؤال صار: هل بقي فيها شيء لينصفوه أصلًا؟
عدن لم تعد تحتمل المزيد من البيانات والمسرحيات والمؤتمرات ولا دموع التماسيح التي تذرف على منابر لا ترى من المدينة إلا اسمها، عدن شبعت كذبًا وتخمت بوعود معلبة انتهت صلاحيتها قبل أن تصل. أهلها الطيبون الذين صبروا حتى مل الصبر منهم، لم يعودوا يطلبون معجزات بل يطلبون أبسط حقوق البشر: ضوء في الليل، وماء في الحنفية، وكرامة لا تشترى ولا تباع.
التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تنسى. كل من مرّ على عدن فأخذ منها ولم يعطها، كل من تاجر بوجعها وبنى مجده على أنقاضها، سيُكتب اسمه في هامش أسود من دفاترها. أما عدن، فستبقى. ستبقى لأن المدن العظيمة لا تموت بفساد حكامها، بل تنتظر من يليق بها.
كلمة حق لا بد أن تقال قرأت خبرًا في صحيفة"الأيام" الغراء تحت عنوان: (تمهيدًا لإعادة بنائهما.. محافظ عدن يوجه بإخلاء سكان عمارتين آيلتين للسقوط ودفع إيجارات عام).
هذا الخبر أثلج صدري في مشهد يجسد المسؤولية في أنبل صورها، وجّه الأخ محافظ عدن بإخلاء سكان عمارتين آيلتين للسقوط، متكفلًا بدفع إيجارات مساكن بديلة لهم لمدة عام كامل على حساب المحافظة، تمهيدًا لإعادة بناء العمارتين على أسس آمنة تضمن كرامة قاطنيها، ليس مجرد قرار إداري، بل رسالة طمأنينة كتبت بحبر الإنسانية.
هكذا تبنى الثقة بين المواطن ومسؤوليه لا بالخطب الرنانة بل بخطوة استباقية تمنع دمعة أم وتنفذ طفلا من تحت الأنقاض قبل أن تسقط.
وللأمانة هذه بارقة أمل تستحق الإشادة ورفع القبعة للمحافظ الإنسان.
في الأخير نحن ليس ساكنين في عدن بل عدن ساكنة في قلوبنا.
وأدلة الجريمة لا تحتاج مختبرًا جنائيًّا، يكفي أن تعيش فيها يومًا واحدًا.
أصبحت عدن جثة هامدة قتلها حكامها منذ سنين بدم بارد. ذبحوها بسكين الإهمال، وشنقوها بحبل الفساد، ودفنوها تحت ركام الوعود الكاذبة.
يا سادة اصعدوا قلعة صيرة وستروا المشهد كاملًا: مدينة شامخة بالحجر، ساقطة بالبشر.
عدن لم ينهكها الزمن، بل أرهقها من تعاقب على نهبها.
انظروا إلى صهاريج الطويلة، معجزة أجداد نحتوها في الصخر ليخلقوا ماء، ثم اسألوا عن بعض أحياء في كريتر والشيخ عثمان والمنصورة والمعلا والتواهي والقلوعة وخور مكسر لا ترى الماء في الحنفيات إلا كضيف ثقيل يأتي كل أسبوع مرة أو بعضهم أشهر.
عدن لم تشخ، بل شوهتها طفح المجاري الذي صارت جزءًا من شوارعها وأكوام القمامة، والموظف صار رقمًا بلا راتب.
القاصي والداني يعرف كيف كانت عدن قبل الاستقلال وكيف أصبحت.
تبدو عدن كامرأة جميلة أرهقتها السنين وسوء التدبير، عدن أعطت الجميع: موقعها، بحرها، تاريخها، وأهلها الطيبين. لكن من حكموها تعاقبوا على ظلمها، فأخذوا منها ولم يعطوها أي شيء سوى أنهم باعوا لأهلها الطيبين الوهم.
عدن يا سادة لا تنقصها الموارد. ينقصها (الشرف) في من يحكمها. لا ينقصها البحر، بل ينقصها من لا يبيع بحرها. لا ينقصها التاريخ، بل ينقصها من لا يخجل من تاريخه أمامها. كل شارع فيها يشهد، وكل حجر فيها يلعن، وكل مواطن فيها صار خبيرًا في تعداد خيباته بعدد الساسة الذين مروا عليها.
أن تكتب عن عدن اليوم هو أن توثق جريمة مكتملة الأركان، الضحية فيها معروفة، والجناة معروفون، والأدلة تملأ الشوارع المكسرة والمحطات المظلمة والمستشفيات الخاوية. جريمة كان المفترض أن يكون حكامها حماتها، فصاروا هم من يطلقون الرصاصة الأخيرة على رأسها كل يوم.
بين صخرة صيرة وذاكرة البحر، لم تعد عدن تئن. عدن تصرخ في وجه كل من جلس على كرسي وادعى أنه يمثلها، بينما كان في الحقيقة يمثل عليها. والسؤال لم يعد"متى تنصفها"؟ السؤال صار: هل بقي فيها شيء لينصفوه أصلًا؟
عدن لم تعد تحتمل المزيد من البيانات والمسرحيات والمؤتمرات ولا دموع التماسيح التي تذرف على منابر لا ترى من المدينة إلا اسمها، عدن شبعت كذبًا وتخمت بوعود معلبة انتهت صلاحيتها قبل أن تصل. أهلها الطيبون الذين صبروا حتى مل الصبر منهم، لم يعودوا يطلبون معجزات بل يطلبون أبسط حقوق البشر: ضوء في الليل، وماء في الحنفية، وكرامة لا تشترى ولا تباع.
التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تنسى. كل من مرّ على عدن فأخذ منها ولم يعطها، كل من تاجر بوجعها وبنى مجده على أنقاضها، سيُكتب اسمه في هامش أسود من دفاترها. أما عدن، فستبقى. ستبقى لأن المدن العظيمة لا تموت بفساد حكامها، بل تنتظر من يليق بها.
كلمة حق لا بد أن تقال قرأت خبرًا في صحيفة"الأيام" الغراء تحت عنوان: (تمهيدًا لإعادة بنائهما.. محافظ عدن يوجه بإخلاء سكان عمارتين آيلتين للسقوط ودفع إيجارات عام).
هذا الخبر أثلج صدري في مشهد يجسد المسؤولية في أنبل صورها، وجّه الأخ محافظ عدن بإخلاء سكان عمارتين آيلتين للسقوط، متكفلًا بدفع إيجارات مساكن بديلة لهم لمدة عام كامل على حساب المحافظة، تمهيدًا لإعادة بناء العمارتين على أسس آمنة تضمن كرامة قاطنيها، ليس مجرد قرار إداري، بل رسالة طمأنينة كتبت بحبر الإنسانية.
هكذا تبنى الثقة بين المواطن ومسؤوليه لا بالخطب الرنانة بل بخطوة استباقية تمنع دمعة أم وتنفذ طفلا من تحت الأنقاض قبل أن تسقط.
وللأمانة هذه بارقة أمل تستحق الإشادة ورفع القبعة للمحافظ الإنسان.
في الأخير نحن ليس ساكنين في عدن بل عدن ساكنة في قلوبنا.











