"الامتحان ليس ما يُكتب بالحبر على الورق، بل ما يُكتب بالعرق على جبين وطن". بهذه الوصية ودّعت ابنتي "مارية" صباح أمس وهي تعبر بوابة المركز الامتحاني لاجتياز الثانوية العامة في "العاصمة المؤقتة عدن"، تحمل قلما وكتابا فوق جمر الصيف اللاهب، حيث الكهرباء غائبة عشر ساعات، وحاضرة ساعتين كصدقة ثقيلة على شعبٍ منهوب.

عدن ليست وحدها في هذه المحرقة. محافظات محررة بلا تحرير من الظلام والجهل، يُذبح فيها الطلاب تحت سياط الحر وانقطاع الضوء. كل هذا في ظل مجالس قيادية تتكاثر كالفطر السام: أسماء بلا قرار، ومناصب بلا ضمير. معلم بلا راتب، وإن جاء فهو إهانة لا تسد رمق يوم من حياته. وكتاب مدرسي يُباع في السوق السوداء كالممنوعات، ومدارس بلا معامل، بلا ضوء، كأنها شواهد قبور للعلم.

ورغم كل كلمات التشجيع التي غرستها في قلب وعقل ابنتي، ما إن توارت عني خلف باب مركزها الامتحاني حتى غصّ حلقي واغرورقت عيناي بالدمع. أيّ عجز هذا الذي يجعل أبًا لا يملك لابنته نسمة هواء أو ضوء مصباح؟ أيّ شرعية هذه التي تترك جيلًا كاملًا يحترق بين حربٍ وفسادٍ وقيادات مرتزقة تتاجر بالوطن من فنادق الخارج؟.

هناك في "الرياض"، اجتمعوا كعادتهم. نفس الوجوه، نفس الفنادق الوثيرة، نفس البيانات المعلبة. يناقشون الكهرباء تحت التكييف المركزي، ويبحثون المرتبات وأرصدتهم تتخم بالدولار."جعجعة بلا طحين"، وشبكة فساد تتوسع كل اجتماع، بينما الشعب يُطحن بين مطرقة كهنوت حوثي سلالي يقتل بالبارود والجوع والتجهيل، وسندان ميليشيات تتربص بالمواطن المطحون لنهبة في كل زاوية بالوطن المنكوب.

هذا ليس امتحان ثانوية. هذه شهادة وفاة تُكتب لجيل بأكمله على يد دولة غائبة وقيادات حاضرة في أرصدة البنوك وشركات الاستثمار فقط. والمسؤول عن هذا العرق المتصبب على دفاتر الطلاب هو كل قيادي أو مسؤول يقبض بالعملة الصعبة ويتركهم للحر والظلام.

اللهم كن مع أبنائنا وبناتنا، فلذات أكبادنا، وهم يخوضون اليوم معركة الكرامة بالحبر والعرق. في زمنٍ صار فيه النجاح مقاومة، وبقاؤهم على مقاعد الدرس انتصارًا على كل مشاريع الجهل والتجهيل والخذلان. فنجاحهم هو السقوط الحقيقي لكم جميعًا أيها المجرمين والمرتزقة الرخاص بالداخل والخارج.