> «الأيام» محمد راجح:

يعيش اليمن على وقع صدمة القطاع الزراعي بخسارة نصف عمالته، حسب تقرير رسمي حديث، في ظل أزمة كبيرة صامتة تمر بها البلاد التي تعيش مجموعة من التحديات الناتجة عن الصراع المحلي والإقليمي، وسط تنامي أزمة إمدادات رفعت مستوى الشكوك حول مخزون البذور بدرجة رئيسية والأسمدة، وتأثيرات ذلك على الموسم الصيفي ومستوى الإنتاج الزراعي.

ويعتبر القطاع الزراعي، الذي يمثل المصدر الرئيسي لفرص العمل في اليمن، الأكثر تأثرًا بالأزمات المحلية والإقليمية، إذ كشف تقرير حديث صادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عن خسارة نحو 50 % من العاملين في القطاع الزراعي وظائفهم، في حين عانت 40 % من الأسر التي تعتمد على الزراعة مصدر دخل من انخفاض الإنتاج الزراعي خلال سنوات الحرب، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر والهشاشة لدى السكان وزيادة الضغوط الناتجة عن البطالة.


في هذا السياق، أشار الباحث الاقتصادي اليمني عيسى أبو حليقة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن اليمن قد يكون أمام أكبر أزمة مع فقدان هذا العدد من الأيدي العاملة المتسربة من القطاع الزراعي، حيث تشكل البطالة قنبلة موقوتة لا تقل خطرًا عن الأزمات الغذائية والإنسانية والاقتصادية والمالية والمصرفية. 
  • تضخم فاتورة الأجور في اليمن وتآكل الموارد 
وأضاف: يعني ذلك المزيد من تسرب الأيدي العاملة من أهم وأكبر القطاعات المشغلة في البلاد، في ظل تنامي مخاطر جسيمة تواجهها زراعة اليمن، دون أي إدراك من السلطات الحكومية التي تغرق في الأزمات المالية والاقتصادية وتبعات الحرب في المنطقة وأزمة إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين.


وقال الباحث الاقتصادي إن الزراعة في اليمن لا تزال تقليدية وبدائية، والمنتجات لا تزال تُزرع كما كان يزرعها الآباء والأجداد قبل 100 و200 عام، حيث لا يوجد أي استخدام للتكنولوجيا الحديثة في الحراثة والفلاحة وأدوات وطرق استخدام الطاقة والري، لذا فهو قطاع هش يجعله أكثر حساسية للأزمات والصدمات وأكبر المتأثرين بتبعاتها.

وأوضح تقرير وزارة التخطيط والتعاون الدولي أن هذا المستوى المرتفع من البطالة يعكس وجود اختلالات هيكلية في الاقتصاد، بما في ذلك محدودية تطور القطاع الخاص، واضطرابات في القطاعات الإنتاجية، ووجود عوائق أمام الاستثمار، مع محدودية خيارات السياسات للاستجابة الفعالة.

ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي اليمني يوسف شمسان المقطري لـ"العربي الجديد" أن اليمن يواجه تحديات كبيرة في القطاع الزراعي الأكثر تضررًا لعدة أسباب، منها الارتفاع الجنوني في تكاليف النقل، لافتًا إلى أن اليمن أمام أزمة كبيرة تنعكس على أهم القطاعات التشغيلية والمنتجة للغذاء، ولا توجد حتى الآن أي رؤية محددة وواضحة للتعامل معها.


وأوضح أن التأثيرات التي تطاول النقل واللوجستيات: التجارة والمواد الغذائية، تبرز هنا بشكل رئيسي في أزمة الأسمدة والصناعات الكيماوية التي تأثرت بتوقف صادراتها عبر مضيق هرمز، ما ينعكس طردًا على فاتورة الاستيراد ويزيد المعاناة المعيشية للمستهلك اليمني.

وتهدد هذه الأزمات المتلاحقة أكثر من 1.2 مليون حائز زراعي في مختلف المحافظات اليمنية، إذ تشير التقديرات إلى أن المُزارع الواحد يحتاج في المتوسط إلى نحو ألفي لتر من الوقود لري زراعته، إضافة إلى أن محاصيل الحبوب في أغلب المناطق تضررت وأتلفت نظرًا لعجز المزارعين عن ريها، أو توفير البذور والأسمدة. 
  • مشاكل تتلوها مشاكل و معوقات 
يمثل عدم كفاية الأمطار، التحدي الأول أمام المزارعين الذين يعتمدون عليها في ري المحاصيل، وتتصدر الحبوب عادة هذا النوع من المنتجات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة، أن المناطق الزراعية الخصبة التي تزرعها الخضروات والفواكه ولا تشكو شحة المياه، بحال أفضل بالضرورة.


وفي أحدث تقرير لها، كشفت نتائج مسح أجرته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، عن أرقام صادمة تظهر اتساع رقعة معاناة المزارعين اليمنيين، إذ واجه 76 بالمائة من المزارعين الذين شملتهم العينة في 22 محافظة يمنية، صعوبات أثناء إنتاج المحاصيل في الجولة العاشرة من مسح مراقبة DIEM، وجاء "عدم كفاية هطول الأمطار ومياه الري على رأس الصعوبات بنسبة بلغت 57 بالمائة.

وفقاً للنظام العالمي للإنذار المبكر بشأن الأغذية والزراعة (FAO, 2023b) التابع لمنظمة الأغذية والزراعة، كان هناك إجهاد حراري وظروف جافة في اليمن استمر لسنوات وتقول الفاو إن ذلك قد يكون السبب وراء تقارير ندرة المياه في اليمن، حيث يعتمد معظم منتجي محاصيل الحبوب على الري البعلي.

ووفقاً للمسح نفسه، أفاد 28 من المنتجين الذين زرعوا المحاصيل عن انخفاض في المساحة المزروعة، وتوقع 48 منهم انخفاض الحصاد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما واجه 86 من بائعي المحاصيل صعوبات في بيع محاصيلهم الرئيسية بما يؤدي إلى انخفاض أسعارها. 
  • تكاليف المدخلات وشحة الأمطار 
يعد اليمن، الذي كان يوصف بـ"اليمن الخضراء" من بين أفقر بلدان العالم مائيًا، حيث يعاني شح المياه وتناقص موارد المياه الجوفية بسبب عمليات السحب المستمرة، في وقت يستهلك فيه الإنتاج الزراعي نحو 90 بالمائة من المياه التي يتم سحبها، رغم أن الاعتماد الأساسي في الزراعة على مياه الأمطار، التي تحذر دراسات حديثة من أنها قد تصبح أقل فعالية في المستقبل على صعيد الإنتاج الزراعي بسبب التغيرات المناخية.


إلى جانب ذلك، فإن تراجع الإنتاج الزراعي بالنسبة للحبوب وبعض المحاصيل الأخرى، وفق خبراء محليين، يدفع بعض المزارعين إلى توسيع رقعة المساحات الخاصة بزراعة "القات" الذي يستهلك نحو 30 بالمائة من المياه المسحوبة للري، من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخسائر تمثل بيئة خصبة لانتشار السموم الخطيرة، التي يحاول من خلالها المزارعون استعجال الحصاد، بما يؤثر على جودة المنتجات وسلامة المزارع والمستهلك والتربة على حد سواء. 

"العربي الجديد"