> «الأيام» المهرية نت:

  • "لا مستقبل مهني إلا للمهندس والطبيب أو المغترب" 
تراجع الإقبال على كليات العلوم الإنسانية بشكل كبير وسط انحسار الرغبة لدى الكثير من الطلاب وأولياء أمورهم، في الوقت الذي يرون فيه أنها لم تعد تؤهل خريجيها إلى سوق العمل، كما هي الحال لدى خريجي العلوم التطبيقية الذين يرون في تخصصاتهم أحضان الوظائف الشاغرة تفتح أمامهم.

هذا النزوح الجماعي نحو التقني والمهني حوّل مدرجات أقسام اللغة والتاريخ والجغرافيا، وعلم الاجتماع والتربية إلى مساحات شبه مهجورة تفتقر للحياة المعرفية، لتتجه البوصلة الشبابية بالكامل نحو المختبرات والمعامل التكنولوجية، مدفوعة بحسابات الربح والخسارة وتأمين لقمة العيش.


أزمة فكرية عميقة جاءت نتاج اختلالات بنيوية داخل المؤسسات التعليمية ومناهجها التقليدية، وضغوط مجتمعية فرضتها ظروف الحرب التي باتت ترى في الإنسانيات طريقًا حتميًا نحو الفقر والبطالة، وفي العلوم التطبيقية طوق النجاة والضمان المالي الوحيد.

أكاديميون وناقدون يرون أن هذا العزوف الحاد عن دراسة العلوم الإنسانية سيخلق مجتمعًا هشًّا وفاقدًا للمناعة الفكرية والأخلاقية، وسيؤسس لجيل يمتلك مهارات الآلة ولكنه يفتقر لعمق الإنسان وأدوات النقد والمساءلة. 
  • إغلاق وتجميد متعمد 
بهذا الشأن قال ممثل نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة تعز، محمد الحميري، إن عزوف الطلاب عن الالتحاق بكليات العلوم الإنسانية - مثل كليات التربية والآداب - في العديد من الجامعات اليمنية، يعود بشكل رئيسي إلى إيقاف التوظيف في الكثير من هذه التخصصات، وهو ما أدى بدوره إلى إغلاق وتجميد أقسام وكليات بأكملها.

وحذّر الحميري من أن هذا الوضع سيؤدي إلى كارثة حقيقية في المستقبل القريب؛ إذ إن إلغاء أو تجميد أقسام حيوية كالجغرافيا والتاريخ سينتج عنه جيل منفصل تماماً عن هويته الوطنية، وليس لديه أي معرفة بتاريخه اليمني، في توقيت حساس تعمل فيه جماعة الحوثي بشكل حثيث على جرف الهوية الوطنية للشباب وشحنهم بأفكار ودوافع دخيلة على الدين والوطن.


واعتبر الحميري أن تراجع أعداد الطلاب ليس السبب الحقيقي دائمًا وراء إغلاق بعض الأقسام، بل إن هناك استهدافًا متعمدًا لا يستند إلى فراغ، مستدلًا بما حدث في كلية الآداب بجامعة تعز، حيث أصرت عمادة الكلية على إغلاق قسم الجغرافيا بشكل تعسفي رغم وجود 22 طالبًا مسجلين ومستعدين للدراسة.

وفي سياق متصل، أشار إلى الاستهداف التاريخي والممنهج لأقسام الفلسفة، لا سيما في جامعة صنعاء، موضحاً أن هذا الموضوع يتفق عليه الفكر الإمامي وكثير من الفقهاء المتشددين؛ بحجة أن الفلسفة تفتح مجالًا لإعمال العقل، وتجعل الطالب قادرًا على مواجهة القضايا بتفكير ناقد، وهو تمامًا ما لا يريده هؤلاء، لأن التفكير النقدي يجعل الشباب متمردين على الواقع، ويقودهم للنقاش بعقل ومنطق ودحض الحجة بالحجة، ولذلك تُحارب الفلسفة ويرفضها الكثيرون منذ القدم.

وتابع: "إلغاء القسم الأدبي لطلاب الثانوية العامة يُعد مؤامرة مكتملة الأركان على التعليم وعلى الوطن، خاصة وأن الكثير من الطلاب، لا سيما الطالبات، لديهن رغبة كبيرة في الالتحاق بهذه الأقسام".

وتوقع الحميري أن تشهد المدارس في مختلف المحافظات اليمنية أزمة خانقة في قطاع التربية والتعليم خلال الفترة القريبة المقبلة نتيجة لإغلاق هذه الأقسام، بالتزامن مع خروج أعداد هائلة من المدرسين الحاليين في المدارس إلى سن التقاعد، مما سيخلق عجزًا حقيقيًّا وفجوة حادة، ستضطر معها الحكومة مستقبلًا إلى البحث عن مدرسين خرجوا سابقًا عن الخدمة لتغطية هذا النقص الشديد. 
  • بوصلة الطلاب تتجه نحو الخليج 
واختتم الحميري تصريحه بالإشارة إلى واقع الطلاب في الوقت الحالي؛ إذ باتوا يبحثون عن التخصصات التي تتطلبها طبيعة سوق العمل، وتحديدًا في دول الخليج، مما دفعهم للتوجه نحو كليات الطب والعلوم الصحية، والهندسة، والمحاسبة، وتقنية المعلومات، بعد أن أصبحت التخصصات الأدبية والإنسانية خارج حسابات التوظيف والفرص المستقبلية. 
  • أزمة ممتدة 
في السياق يرى الأكاديمي والباحث في التربية الإعلامية، الدكتور مجيب الحميدي، أن العزوف عن العلوم الإنسانية ليس خيارًا عبثيًا، بل هو نتاج طبيعي للواقع المعقد الذي فرضته الحرب وانعدام فرص التوظيف.

ويوضح الحميدي أن الأزمة طالت حتى حملة الشهادات العليا (الماجستير والدكتوراه) في هذه التخصصات، مؤكدًا أن الطلبة يجدون أنفسهم اليوم أمام خيارات إجبارية تفرضها الظروف الاقتصادية الصعبة للبحث عن تخصصات تضمن لهم مكانًا في سوق العمل، لا سيما وأن الوظيفة الحكومية - حتى وإن وجدت - لم تعد رواتبها تلبي أبسط الاحتياجات المعيشية.

ويربط الحميدي أزمة الجامعات بأزمة التعليم الثانوي، معتبرًا أن المشكلة تبدأ من المنبع، ويتساءل مستنكرًا: "قبل أن نتحدث عن عزوف الطلبة في الجامعات، علينا أن ننظر إلى إغلاق معظم الأقسام الأدبية في الثانوية العامة، فمن أين سيأتي طلبة كليات العلوم الإنسانية؟".

ويكشف الحميدي عن مفارقة واضحة؛ إذ إن أغلب الملتحقين الحاليين بكليات العلوم الإنسانية هم أساسًا من خريجي القسم العلمي في الثانوية، والذين لم تسعفهم معدلاتهم لدخول كليات علمية، مشيرًا إلى أن التعليم الأساسي يفتقر تمامًا إلى التوجيه المهني وثقافة التربية على الاختيار، مستدلًا على ذلك بالتحول الداخلي في كليات الآداب نفسها، حيث يشهد قسما الجرافيكس والإعلام إقبالًا لافتًا لصلتهما المباشرة بسوق العمل الحديث. 
  • التداعيات وأزمة الوعي 
وحول الكلفة الاستراتيجية التي يدفعها المجتمع جراء هذا التراجع، يحذر الباحث في التربية الإعلامية من خطورة المشهد، مؤكدًا أن ما يخسره المجتمع على المدى الطويل لا يقل خطورة عما يكسبه من التوسع التقني.


ويرى الحميدي أن العلوم الإنسانية - وفي مقدمتها الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ - ليست ترفًا معرفيًّا، بل هي أدوات لبناء الوعي النقدي ومساءلة المسلمات؛ إذ يضيف محذرًا: "عندما تتراجع هذه العلوم، يزداد خطر إنتاج أجيال هشة فكريًّا، ويسهل استقطابها وتضليلها عبر وسائل الإعلام وخوارزميات التواصل الاجتماعي لضعف ملكة النقد لديها".

كما ينبه إلى أن غياب التاريخ والآداب يؤدي إلى تآكل السردية الجامعة والذاكرة الوطنية، مما يجعل المجتمع عرضة للاختراق الثقافي، مؤكدًا أن الاقتصار على التعليم التطبيقي قد ينتج كوادر تقنية منفذة، لكنه يعجز عن صناعة قادة ومفكرين، فالمجتمعات الناجحة تتطلب توازنًا دقيقًا بين بناء الأدوات وبناء الإنسان. 
  • الحلول والتوصيات 
ورؤيته لمعالجة هذه المعضلة، يطرح د. مجيب الحميدي خارطة طريق تبدأ بإعادة صياغة التعليم الأساسي من خلال إدراج مصفوفة الثقافة المهنية، والحفاظ على قسم أدبي واحد على الأقل في مدرسة ثانوية بكل مديرية. وفي حال تعذر إنعاش الأقسام الأدبية، يقترح الحميدي حلًّا بديلًا يتمثل في:"ضرورة إضافة مادة الثقافة الإنسانية والوطنية كمتطلب إجباري في الأقسام العلمية بالثانوية العامة؛ وذلك لضمان تحصين وعي الجيل القادم وحماية الهوية الفكرية للمجتمع". 
  • سياسات تعليمية جامعية 
بدوره أكد الأكاديمي عبدالعالم أحمد أن المجتمع اليمني يعيش اليوم أزمة مركبة يتقاطع فيها الوعي المجتمعي المشوه مع سياسات تعليمية فاشلة، ناتجة عن خيارات خاطئة ومتراكمة جعلتها عاجزة عن مواكبة العصر.

وأوضح أن الوعي المجتمعي انحدر نحو براغماتية مفرطة باتت تملي على الأسر رؤية قاصرة ترى في التخصصات الإنسانية مدخلًا حتميًا للفقر، بينما تنظر للتخصصات التقنية والتطبيقية كبوابة وحيدة للثراء والضمان الوظيفي. وبموجب هذا المنطق، يمارس المجتمع ضغوطًا خانقة على الأبناء لتوجيه خياراتهم الأكاديمية قسرًا نحو المسارات التطبيقية.

ولا يعفي الأكاديمي عبدالعالم المنظومة التعليمية من المسؤولية؛ إذ يؤكد أن فشل السياسات وغياب التطوير حوّل مناهج الإنسانيات في الجامعات إلى قوالب متحجرة تكتفي بتدريس تاريخ الأفكار الميتة بدلًا من أن تتحول إلى ورش لإنتاج التفكير النقدي والإبداعي وأدوات حية لتحليل الواقع.


وانتقد غياب التطبيقات العملية التي كان يمكنها تحويل مهارات الإنسانيات إلى مهارات للمستقبل، مستنكرًا عجز الجامعات عن بناء جسور حقيقية مع القطاعات الحيوية التي تحتاج لهذه الكوادر، فقد انكفأت المؤسسات الأكاديمية على دورها كفقاسة تقليدية للشهادات دون أثر تنموي حقيقي.

وأردف محذرًا من أن "غياب الإطار الأخلاقي والحس الإنساني يشكل مع الوقت مجتمعًا يفتقر للمناعة الفكرية ضد الاستبداد والتضليل، ويتحول إلى فريسة سهلة للدعاية والتطرف والشعارات الجوفاء". 
  • موضة تعليمية قسرية 
وأشار إلى أن خطاب"الوظيفة المضمونة للمهندس والطبيب"، في مقابل خطاب"التربوي العاطل والفقير"، أعاد تشكيل الثقافة المجتمعية وخلق موضة تعليمية قسرية، معتبرًا أن إصلاح الاختلالات الداخلية بكليات الإنسانيات هو "الرصاصة الفضية" الكفيلة بكسر هذه الصورة النمطية.

وشدد على ضرورة إعادة "تحديث مناهج الدراسات الإنسانية" جذريًا وربطها بمهارات العصر، مثل دمج علم الاجتماع بتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، واستحداث تخصصات بينية جاذبة مثل"التربية وتصميم المحتوى الرقمي" لسد احتياجات سوق العمل الحقيقية.

وطالب الجهات المختصة بضرورة التعامل مع التعليم كاستثمار استراتيجي لا كميزانيات جامدة، ورفض الفكرة التي تجعل كليات العلوم الإنسانية مكانًا لمن استعصى عليه الطب والهندسة، ويؤكد أن الحل يكمن في تحسين وضع المعلم ورفع راتبه ليكون الأعلى في الدولة؛ لجذب الموهوبين والمبدعين الذين تُسند إليهم مهمة بناء الأجيال، مع تفعيل دور منظمات المجتمع المدني لإعادة صياغة الوعي المجتمعي.