طال أمد الحرب، ومع مرور الأيام، يتضح أن الإطالة متعمدة، الإقليمي يوعز بالانتظار، والدولي يغريك بالتريُّث، وأما الوطني فيسمع ويطيع.

أزمة اليمن السياسية مثل أزمة الكهرباء، لا حل سوى الترقيع، بل أن الحرب استدعت هذا الحل في كل شي، في المعيشة، في الراتب، في الخدمات، حتى صار "الترقيع" وظيفة الدولة، وليس للشعب من وطن غير "اليمن المرقّع"!

أما هيئة الأمم فهي تدير من خلال مكاتب مبعوثيها السابقين واللاحقين، هذا السلوك الديبلوماسي المقيت، بل تستميت في تكريسه كثقافة، انطلاقًا من رغبة حقيقية في تأجيل الحل.

كانت شهوة التأجيل، بدأت من "استوكهولم"، وحين تظاهرا الغرب وإيران بالخصومة والاحتراب، لم يُلقِ الحوثي لهذا الصراع بالًا، وكأنه يدرك أن القوم يصنعون "تمثيلية"، بينما يقرّبون له يخت المرشد ليركب عليه، ويجوب به في الآفاق.

وإنْ قيل أن صواريخ أمريكا دمّرت في طهران، فإنّ ترامب قد بيّت في نفسه، أن الخليج هو من سيدفع ثمن البناء وإعادة الإعمار.

أما الحوثي الذي يحشد باتجاه الجنوب ويقتل أطفال الضالع، فربما قد اطمأن أن طهران ستحظى بإعادة إعمار، وإقامة بنية تحتية لم تحلم بها من قبل!

وحين يتم تفكيك القوات الجنوبية، ويحشد الحوثي في نفس اللحظة، تكون القصة وضحَت، والمؤامرة قد اكتملت، حتى كأن المراقب العادي للوضع، قد أدرك أن الحوثي يتقارب مع الشرعية، بوساطة إقليمية ومباركة دولية.

وعليه أيُّها الشعب ليس هناك "حسمًا"، بل حوارًا بين قوة تقبض على الأرض في محافظات الشمال، وحكومة معترف بها دوليًا ستشرعن لاحقًا لهذه "القبضة" برعاية من الديبلوماسية المقيتة، في واشنطن وطهران.

حتى لو سُمِحَ للشرعية بدخول صنعاء، فليس على طريقة "قادمون يا صنعاء" وإنما دخول على طريقة "الخائف الذي يترقّب"!

وحين أدرك الجنوب حجم المخطط أراد أن يثبت على أرضه المحررة ويستميت، فتم الإحاطة به وتفكيك قوته.

لكن ما لم يدركه قادة الجنوب، أنهم فقدوا البوصلة في التعامل مع المخطط، واستعجلوا الحل، وتنازعوا مع الحليف، فكانت الفرصة التي انتظرها الخصم بلهفة ليوقِع بالجنوب وأهله، ويجد مساحة مريحة للتحريض ضد قياداته..

ثم كيف جيئ بلغم الحوثي الذي قتل أطفال قرية "الريبي" بمنطقة حجر في هذا التوقيت، من اشتداد المؤامرة على الجنوب، حتى يُقال عنه "مخلفات حرب".

كل ما سنراه في قابل الأيام سيكشف طبيعة اتفاق واشنطن وطهران، وهل في جعبة الاتفاق حلًا لأزمة اليمن، أم تكريس ثقافة "الحل المؤجل"، حتى يألف الناس صوت السيّد، وصرخة الإمام الجديد، فنصبح مستيقظين على نغمة المُنادي من نافذة القصر الإمامي:

كيف أصبحتم يا عبيد الدار؟!

والله المستعان.